حين ارتدت العداوة ثوب المحبة
كان بينهما يومًا من الود ما يجعل الجميع يظن أن صداقتهما لن تنتهي.
تقاسمتا الأسرار والضحكات، وعرفَت كل واحدة منهما عن الأخرى ما لا يعرفه أقرب الناس إليها.
لكن شيئًا ما انكسر بينهما ذات يوم، وتحول القرب إلى خصام، ثم مضت الأيام وكل واحدة منهما تحمل في قلبها شيئًا لم تقله.
مرت الشهور.
والسنون
لم تعد إحداهما تسأل عن الأخرى، حتى جاءت لحظة ضعفت فيها إحداهما ووقعت في مشكلة جعلتها بحاجة إلى من يقف بجانبها.
وهنا عادت صديقتها القديمة. بلا طلب او إذن بدخول
جاءتها بوجه هادئ وكلمات دافئة:
— مهما حصل بيننا، لا أستطيع أن أراكِ في هذه الظروف وأبتعد.
صدقتها. وأصبحت تتكلم معها من جديد
ولم تكن تعلم أن العودة لم تكن من أجل المصالحة، بل من أجل شيء آخر تمامًا.
بدأت تسألها عن تفاصيل حياتها، وعن زوجها، وعن ظروف بيتها، وعن الأشخاص الذين يحيطون بها.
وكانت تقول:
— أريد فقط أن أساعدك… وأساعد زوجك في هذه الظروف.
لكنها في داخلها كانت تفكر بطريقة مختلفة.
كانت تعرف أن المرأة تمر بظرف حساس، وأن زوجها يمر أيضًا بظروف خاصة، فبدأت تدبر حيلة تجعلها تبدو في موقف مشبوه دون أن تشعر.
أرادت أن ترسل إليها رجلًا غريبًا، وتجعله يقترب منها تحت ذريعة المساعدة أو تقديم خدمة لها ولزوجها، ثم يحاول استدراجها إلى حديث أو لقاء أو موقف يمكن تفسيره بطريقة سيئة.
لم تكن تريد أن تأخذ الرجل منها.
ولم تكن تريد أن تفسد زواجها.
كانت تريد شيئًا أكثر خبثًا:
أن تصنع لها صورة مشوهة.
أن تجعل الناس يقولون:
كيف تثقون بها؟
ألم تروا ما فعلت؟
ربما كانت تخفي أشياء كثيرة.
كانت تريد أن تزرع الشك، لا أن تهدم البيت.
وكانت خطتها أن تبقى هي بعيدة عن الصورة، تظهر أمام الجميع بصورة الصديقة التي حاولت المساعدة، بينما تترك المرأة تواجه وحدها آثار الفخ الذي نصبته لها.
لكنها أخطأت في شيء واحد…
ظنت أن الإنسان حين يكون محتاجًا للمساعدة، يصبح غافلًا عن التفاصيل.
بدأت المرأة تلاحظ أن بعض الأمور لا تبدو طبيعية.
لماذا هذا الشخص تحديدًا؟
ولماذا ظهر في هذا الوقت؟
ولماذا كانت صديقتها تصر على أن تتعامل معه؟
ولماذا كانت تحاول دفعها إلى الحديث معه رغم أنها لم تطلب ذلك أصلًا؟
بدأ الشك يكبر.
ثم اكتشفت أن الأمر لم يكن مصادفة.
كان هناك ترتيب مسبق.
عندها فهمت الحقيقة كاملة:
لم تكن صديقتها تريد مساعدتها، ولم تكن تريد زوجها، ولم تكن تريد بيتها… كانت تريد سمعتها.
كانت تريد أن تجعلها تقع في موقف يكفي لأن تتناقله الألسن.
واجهتها قائلة:
— لماذا؟
قالت الأخرى ببرود:
— لأنكِ آذيتِني يومًا.
نظرت إليها طويلًا، ثم قالت:
— كان بإمكانك أن تكرهيني. كان بإمكانك أن تبتعدي. حتى لو تكلمتِ عني، كنت سأعرف كيف أواجهك. لكنك اخترتِ شيئًا أخطر… حاولتِ أن تصنعي لي تهمة من لا شيء.
سكتت الأخرى.
فأكملت:
— أنتِ لم تكوني تريدين أن تأخذي زوجي، ولم تكوني تريدين هدم بيتي… كنتِ تريدين أن تجعلي الناس ينظرون إليّ بعين الشك.
ثم قالت:
— كنتِ تريدين أن أخرج من الحكاية مذنبة، وأنتِ تظهرين فيها بريئة.
وأدركت في تلك اللحظة أن بعض الناس لا ينتقمون منك بأخذ ما تحبين…
بل بمحاولة تلويث الشيء الذي لا يستطيعون أخذه منك: سمعتك.
ولهذا كانت المحبة المصطنعة أخطر من العداوة الصريحة.
فالعدو الذي يقف أمامك تستطيع أن تحذر منه،
أما من يقترب منك باسم المساعدة، ويعرف أسرارك، ثم يستخدمها ليصنع لك فخًا…
فذلك عدوٌ لم يعد بحاجة إلى إخفاء وجهه فقط،
بل إلى إخفاء نيته.
وأحيانًا، لا يكون الهدف أن يسقط بيتك…
بل أن يجعلكِ تقفين أمام الناس، وتدافعين عن شرفك، في قضية لم ترتكبيها أصلًا.
د.صباح الجهني

تعليقات
إرسال تعليق