الوعظ وستعارة أقنعة الرياء
دخلتُ المسجد مصادفة.
صلاة عابرة، وجلوس قصير بانتظار الخروج.
لم أكن في موقع المتلقي، ولا في نية المحاسبة،لكن بعض الأفكار لا تطلب الإذن.
كان الحديث عن الرياء،ثم انحرفت الجملة قليلًا…
ليس تحذيرًا، بل إعادة تعريف.
قيل إن في الوعظ ما يُسمّى رياءالصالحين،رياء يُستخدم لا للهو…
بل للتأثير.
ولا يُؤاخذ عليه
لأن نتيجته نفع.
هنا لم يعد السؤال أخلاقيًا فقط.
بل معرفيًا….
متى تحوّل الوعظ من شهادة
إلى تقنية؟
ومن صدق
إلى أداة تأثير نفسي؟
الرياء، في جوهره.
ليس خلل صورة.
بل خلل علاقة.
العلاقة بين الإنسان وربه.
وحين يُقال إن هذه العلاقة
يمكن تعليقها مؤقتًا
لأجل مصلحة عامة.
فنحن لا نخفف من الرياء.
بل نؤسس لمنطق
يُجيز فصل القيم عن الأفعال
إذا كان الأثر مقنعًا.
الوعظ في أصله
ليس خطاب إقناع.
بل خطاب التزام.
لا يقوم على أن يُصدَّق.
بل على أن يُصدِق.
وإذا احتاج إلى الرياء ليؤثر.
فالمشكلة ليست في الناس.
بل في الخطاب نفسه.
ثم تساءلت….
هل الواعظ مطالب بأن يكون صادقًا
أم فعّالًا……؟
وهل يمكن الجمع بين الفعالية
وتعليق الإخلاص؟
وإذا قُدِّم التأثير على الصدق.
فما الذي يمنع أن يُعاد تعريف
الصدق نفسه
بوصفه “ما يُقنع” لا “ما يُطابق”؟
الدين لم يشتغل بمنطق
“الغاية تبرر الوسيلة”.
لم يجعل النتيجة معيارًا
لتقويم القصد.
بل جعل القصد
هو الميزان،
ولو خالفته النتائج.
أخطر ما في فكرة
رياء الصالحين في الوعظ
أنها لا تشرعن الرياء فقط.
بل تحوّل الصلاح
من حال باطني
إلى هوية خطابية
ومن صدق
إلى وظيفة.
خرجتُ من المسجد
وأنا أدرك أن الوعظ
قد يفشل في التأثير
لكن فشله الأخلاقي
أفدح من أي ضعف جماهيري.
فالخطاب الديني
إما أن يكون صادقًا
وإما أن يكون مؤثرًا.
لكن حين يختار التأثير
على حساب الصدق.
فهو لم يعد وعظًا…
بل تمثيلًا أخلاقيًا
باسم الخير.
د.صباح الجهني

