حين يصبح الإيمان ساحةً للقتال
كثيرًا ما تفلت منّا دموع الحزن والخوف والأمل.
تسقط دون استئذان، في لحظة كنا نظن أننا أقوى منها، وتفضح شيئًا حاولنا طويلًا أن نخفيه عن الآخرين، وربما عن أنفسنا أيضًا. نمسحها سريعًا، نبتسم، نُكمل حديثنا كأن شيئًا لم يحدث، ثم نعود إلى وحدتنا لنكتشف أن ما حاولنا الإمساك به طوال اليوم ما زال يسكن في مكانه العميق داخل القلب.
هناك أحزان لا تبكيها العيون فقط، بل يسكنها الجسد كله.
نشعر بها في ثقل الصدر، في الصمت الطويل، في شرود الذهن، في تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن الكلام لأننا نعرف أن كلمة واحدة إضافية قد تجعل كل شيء ينهار.
نحن لا نبكي دائمًا لأننا ضعفاء، بل لأن القلب له طاقة محدودة على الاحتمال.
وحين تمتلئ المساحة، تبحث المشاعر عن منفذ، فتخرج دمعة.
دمعة واحدة قد تحمل وراءها سنوات من الصبر، وأيامًا طويلة من الانتظار، وأشياء كثيرة لم نقلها، وأمنيات لم تتحقق، وأشخاصًا تغيروا، وأبوابًا أُغلقت في وجوهنا، وأبوابًا أخرى ما زلنا نقف أمامها وننتظر أن تُفتح.
وأحيانًا لا نعرف لماذا نبكي أصلًا.
هل نبكي على ما حدث؟
أم على ما كنا نتمنى ألّا يحدث؟
أم نبكي على ما لم يحدث أصلًا؟
ربما نبكي على كل ذلك دفعة واحدة.
فالإنسان لا يحمل في قلبه حاضرَه فقط، بل يحمل معه ذاكرته، وخوفه من المستقبل، وصورًا كثيرة لما كان يمكن أن يكون عليه حياته لو سارت الأمور بطريقة أخرى.
نحن نعيش بين ثلاثة أشياء متعبة:
شيء حدث وانتهى لكنه لم ينتهِ في داخلنا.
وشيء نعيشه الآن ونحاول أن نفهمه.
وشيء لم يحدث بعد، ومع ذلك نخاف منه.
وهنا يبدأ الصراع.
ليس الصراع مع الحياة وحدها، وإنما الصراع مع أنفسنا.
نحاول أن نكون عقلانيين، بينما القلب يصرخ.
نحاول أن نبدو مطمئنين، بينما في الداخل ألف سؤال.
نقول: "أنا بخير"، ثم نعود في الليل لنسأل أنفسنا السؤال نفسه عشرات المرات.
ماذا لو؟
ماذا لو لم يتغير شيء؟
ماذا لو تأخر الفرج؟
ماذا لو خسرنا ما نحب؟
ماذا لو كان الطريق الذي نمشي فيه ليس الطريق الصحيح؟
وماذا لو كانت كل محاولاتنا للتمسك بالأمل مجرد محاولة أخيرة حتى لا نسقط؟
هنا تحديدًا يصبح الإيمان ساحة القتال.
الإيمان ليس دائمًا ذلك الشعور الجميل الهادئ الذي نتخيله.
ليس دائمًا قلبًا مطمئنًا لا يعرف الخوف، ولا روحًا لا تتردد، ولا إنسانًا لا يسأل.
أحيانًا يكون الإيمان أن تخاف، ثم تقول رغم خوفك: سأثق.
أن تشك، ثم تبحث عن اليقين بدل أن تستسلم للشك.
أن تتعب، ثم تواصل الطريق.
أن تبكي وأنت تقول في داخلك: يا رب، أنا لا أفهم، لكنني أثق بك.
وهذه ربما واحدة من أصعب صور الإيمان.
أن تؤمن وأنت لا ترى.
أن تطمئن إلى وعد لم تصل إليه بعد.
أن تنتظر شيئًا لا تعرف متى سيأتي.
أن تترك مساحة في قلبك للأمل، بينما كل الظروف من حولك تقول لك إن عليك أن تستسلم.
فالشك لا يأتي دائمًا بصورة واضحة.
أحيانًا يتسلل إلينا في هيئة سؤال بريء:
"لماذا تأخر؟"
ثم يكبر السؤال.
"لماذا أنا؟"
ثم يأتي سؤال آخر:
"هل سيتغير شيء فعلًا؟"
وهكذا تبدأ المعركة.
معركة لا يسمعها أحد.
لا أحد يعرف كم مرة أقنعت نفسك أن تصبر.
ولا أحد يعرف كم مرة فتحت يديك بالدعاء ثم أغلقتها وأنت تشعر أنك لم تعد تملك شيئًا سوى الانتظار.
ولا أحد يعرف كم مرة قلت: "سأترك الأمر لله"، ثم عدت بعد ساعات لتفكر فيه من جديد.
وهذا لا يعني أن إيمانك ضعيف.
بل ربما يعني أنك إنسان.
فالإنسان لا يستطيع أن يلغي مشاعره بمجرد أن يؤمن.
الإيمان لا يجعلنا آلات لا تحزن.
ولا يجعلنا عاجزين عن الخوف.
ولا يمنعنا من التساؤل.
لكنه يمنحنا مكانًا نعود إليه كلما أخذتنا الحياة بعيدًا.
يعلمنا أن المشاعر ليست دائمًا حقيقة.
قد أشعر أن كل شيء انتهى، بينما لم ينتهِ شيء.
قد أشعر أن الباب أُغلق إلى الأبد، بينما هناك باب آخر لم أره بعد.
قد أشعر أنني وحيد، بينما الله أقرب إليّ مما أتصور.
وقد أشعر أن تأخر الشيء يعني حرماني منه، بينما ربما يكون التأخير نفسه جزءًا من الحكمة التي لا أستطيع رؤيتها الآن.
نحن نريد الإجابات بسرعة.
نريد أن نفهم قبل أن نطمئن.
نريد أن نعرف لماذا حدث هذا، ومتى سينتهي، وماذا سيأتي بعده.
لكن الحياة لا تعطينا دائمًا هذه الإجابات.
وأحيانًا تكون أصعب مراحل الإيمان هي تلك التي لا نملك فيها إجابة.
أن تمشي دون خريطة.
أن تدعو دون أن تعرف متى ستكون الإجابة.
أن تنتظر دون أن تعرف هل سيكون ما تنتظره هو الخير فعلًا أم أن الخير سيكون في شيء آخر تمامًا.
وهنا نتعلم شيئًا مؤلمًا وجميلًا في الوقت نفسه:
أن الإيمان ليس أن تحصل على ما تريد، بل أن تثق أن ما سيأتيك لن يكون خارج علم الله ورحمته.
قد لا يأتي الشيء الذي تمنيناه.
قد لا يعود الشخص الذي انتظرناه.
قد لا يُفتح الباب الذي وقفنا أمامه طويلًا.
قد لا تسير الحياة بالطريقة التي رسمناها في خيالنا.
لكن هذا لا يعني أن الحياة خانتنا.
ربما نحن فقط كنا نعتقد أن الخير له شكل واحد.
بينما الخير قد يأتي بصورة لم نتوقعها.
قد يأتي بعد خسارة.
وقد يولد من رحم الألم.
وقد يبدأ عندما نظن أن كل شيء انتهى.
كم من باب أغلقناه ونحن نبكي، ثم اكتشفنا بعد سنوات أننا كنا نبكي لأننا لم نعرف أن الله كان يحمينا من شيء لا نراه.
وكم من تأخير ظنناه عقوبة، ثم اكتشفنا أنه كان إعدادًا.
وكم من أمنية تمنيناها بكل ما فينا، ثم حمدنا الله لاحقًا أنها لم تتحقق.
لكن المشكلة أننا لا نملك دائمًا رفاهية معرفة النهاية.
ولهذا نحتاج إلى الإيمان.
لأن الإنسان لو عرف كل شيء مسبقًا، لما احتاج إلى الثقة.
الثقة تبدأ تحديدًا عندما لا نعرف.
عندما لا نملك الصورة كاملة.
عندما نقف أمام المستقبل ولا نرى إلا الضباب.
في تلك اللحظة، يصبح الإيمان هو اليد التي نمسك بها ونحن لا نرى الطريق.
ولعل أجمل ما في الإيمان أنه لا يطلب منك أن تكون قويًا طوال الوقت.
يمكنك أن تتعب.
يمكنك أن تبكي.
يمكنك أن تقول: "يا رب، لقد تعبت."
يمكنك أن تعترف بأنك خائف.
يمكنك أن تقول إنك لا تفهم.
يمكنك أن تسأل.
لكن المهم ألّا تجعل ضعفك يقودك إلى اليأس.
هناك فرق كبير بين أن تقول:
"أنا متعب."
وأن تقول:
"لا أمل."
الأولى اعتراف إنساني.
أما الثانية فهي استسلام.
والإيمان لا يمنع التعب، لكنه يمنع التعب من أن يصبح نهاية الطريق.
لذلك لا تخجل من دموعك.
لا تخجل من لحظات ضعفك.
لا تظن أن قلبك فقد إيمانه لمجرد أنك خفت.
فالقلوب تتعب كما تتعب الأجساد.
والروح تحتاج أحيانًا إلى أن تجلس قليلًا على حافة الطريق، تبكي، ثم تقوم.
ربما ليست المشكلة في أن نبكي.
المشكلة أن نعتقد أن البكاء يعني أننا خسرنا.
أحيانًا تكون الدموع طريقة القلب في تنظيف نفسه من ثقل الأيام.
نبكي ثم نهدأ.
نبكي ثم نصلي.
نبكي ثم ننام.
ثم نستيقظ في اليوم التالي ونجد أن الحياة ما زالت هناك.
وأن الشمس ما زالت تشرق.
وأن القلب، رغم كل ما مر به، ما زال قادرًا على النبض.
وهذه في حد ذاتها نعمة.
أن تستيقظ بعد ليلة ظننت أنك لن تتجاوزها.
أن تجد نفسك ما زلت قادرًا على المحاولة.
أن يعود شيء صغير من الأمل إلى قلبك دون أن تعرف من أين جاء.
ربما هذا هو معنى النجاة أحيانًا.
ليست النجاة أن تختفي المشكلة.
بل أن تتغير أنت في أثناء وجودها.
أن تصبح أكثر صبرًا.
أكثر وعيًا.
أكثر قربًا.
وأقل تعلقًا بما لا تستطيع التحكم فيه.
نحن كثيرًا ما نحاول السيطرة على كل شيء.
نريد أن نعرف المستقبل.
نريد أن نضمن الأشخاص.
نريد أن نضمن النتائج.
نريد أن نتأكد أن كل شيء سيحدث كما خططنا.
لكن الحياة لا تمنحنا هذه الضمانات.
ولهذا فإن جزءًا من السلام أن نتعلم كيف نترك.
أن نترك ما لا نستطيع حمله.
أن نترك النتائج لله.
أن نترك بعض الأسئلة بلا إجابات مؤقتًا.
وأن نقول:
"سأفعل ما أستطيع، وما لا أستطيع سأتركه لمن يستطيع."
عندها تخف المعركة قليلًا.
لا لأن كل شيء تغير، بل لأننا توقفنا عن محاولة حمل العالم بأيدينا.
ويبقى الإيمان هو المساحة التي نعود إليها عندما تضيق بنا كل المساحات.
فيه نضع خوفنا.
وفيه نضع أحزاننا.
وفيه نضع الأشخاص الذين لا نستطيع إنقاذهم.
وفيه نضع أمنياتنا المؤجلة.
وفيه نضع أنفسنا.
ثم نقول:
"يا رب، أنا لا أعرف كيف ستصل الأمور إلى نهايتها، لكنني أعرف أنك تعلم."
وربما لا نحتاج أكثر من ذلك في بعض الأيام.
لا نحتاج تفسيرًا كاملًا.
ولا علامة كبيرة.
ولا معجزة واضحة.
يكفينا أحيانًا أن نشعر بأننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة.
أن هناك ربًا يرى ارتجاف القلب قبل أن تنزل الدمعة.
ويرى الدعاء الذي لم نستطع أن ننطقه.
ويعلم الأمنيات التي أخفيناها حتى عن أقرب الناس إلينا.
يعلم كل شيء.
وهنا، في آخر المعركة، حين يهدأ الشك قليلًا، ويضعف الخوف، ويبقى القلب واقفًا رغم كل ما مر به، نكتشف أن الإيمان لم يكن وعدًا بحياة بلا ألم.
بل كان وعدًا بأن الألم ليس كل الحكاية.
وأن الخوف ليس النهاية.
وأن التأخير ليس بالضرورة حرمانًا.
وأن الدموع لا تعني الهزيمة.
وأن الإنسان قد ينكسر كثيرًا، لكنه يستطيع أن يعود من انكساره أكثر قربًا، وأكثر فهمًا، وأكثر رحمة بنفسه وبالآخرين.
لذلك، حين تفلت منا دمعة، لا نحاول دائمًا إخفاءها.
دعها تسقط.
وحين يخاف القلب، لا نعاقبه على خوفه.
وحين يتسلل الشك، لا نهرب منه، بل نبحث عن اليقين.
وحين يتأخر الأمل، لا نقتله في داخلنا.
نترك له نافذة صغيرة.
فربما يدخل منها النور في اللحظة التي لم نعد نتوقعها.
وفي النهاية، يظل الإيمان تلك الساحة التي نقاتل فيها كل يوم:
شكًّا باليقين،
وخوفًا بالرجاء،
وحزنًا بالصبر،
ويأسًا بالأمل.
وقد لا نخرج من المعركة دائمًا منتصرين.
قد نخرج منها متعبين، بعيون دامعة وقلوب مثقلة.
لكن يكفينا أننا خرجنا منها وما زلنا نؤمن.
وما دام في القلب إيمان، فهناك دائمًا شيء لم ينكسر.
شيء يقول لنا بهدوء:
لم تنتهِ الحكاية بعد.
د.صباح الجهني
.png)









