في داخلي شيءٌ لا يُرى، لكنه حاضرٌ في كل تفاصيل يومي، كظلٍّ لا ينفصل عني، أو كصوتٍ خافتٍ لا يتوقف. ليس ألمًا واضحًا يمكن الإشارة إليه، ولا حزنًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل ثِقَلٌ غامض، يتسلل بهدوء ويستقر في أعمق نقطةٍ في صدري، حيث لا يصل أحد.
كل ما أريده ليس كثيرًا؛ لا أبحث عن خلاصٍ كبير، ولا عن معجزةٍ تغيّر كل شيء دفعةً واحدة. أريد فقط هدوءًا بسيطًا، لحظةً صافيةً تخلو من هذا الضجيج الداخلي، أن تتوقف الأسئلة التي لا تنتهي، وأن تهدأ هذه الفوضى التي لا يراها أحد. أريد أن أشعر، ولو لوهلة، أنني لست مضطرًا لأن أكون قويًا طوال الوقت.
تعبت من هذا التماسك المستمر، من ترتيب الفوضى بصمت، ومن إقناع نفسي كل يومٍ بأن الغد سيكون أخف، بينما الأيام تمضي وأنا كما أنا، لا يتغير في داخلي شيء. أحمل هذا الثقل كأنه جزءٌ مني، رغم أنني أعلم في مكانٍ ما أنه ليس أنا.
أحيانًا أتساءل: كيف يمكن لإنسانٍ أن يمتلئ بكل هذا ولا ينكسر؟ أم أنني انكسرت بالفعل، لكنني تعلّمت كيف أخفي الشقوق بعناية، كيف أبدو طبيعيًا، وكيف أواصل العيش دون أن يلاحظ أحد ما يحدث في داخلي؟
أمضي بين الناس بوجهٍ يعرف الطريق، وبخطواتٍ لا تتعثر، لكن قلبي تائه، يبحث عن شيءٍ لا يعرف اسمه. أضحك أحيانًا، ليس لأنني بخير، بل لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل، ولأنني لم أعد أجد طريقةً أخرى لأُخفي ما في داخلي.
أراقب نفسي من بعيد، كأنني شخصٌ آخر يحاول أن يفهم متى تغيّر كل شيء، ومتى أصبحت الأشياء التي كنت أحبها بلا طعم، وبلا أثر. لم تعد تعيدني إليّ، ولم أعد أجد نفسي فيها، كأنني انفصلت عن ذاتي دون أن أشعر.
أذوب ببطء، دون صوت، دون ضجيج، دون أن يلاحظ أحد هذا الغياب التدريجي. وهذا ما يؤلم أكثر؛ أن يحدث كل هذا في صمتٍ تام، وكأنني أختفي دون أن أترك أثرًا.
أحتاج أن أعود، لكنني لا أعرف الطريق، ولا أعرف متى ضعت أصلًا. كل ما أعرفه أن هذا الثقل ليس أنا، لكنه أصبح يسكنني، وأصبحت أحمله كأنه قدري.
ومع ذلك، هناك شيء صغير في داخلي لا يزال يقاوم، شيء يشبه الأمل، خافتٌ لكنه حاضر. يهمس لي بين حينٍ وآخر أن كل هذا سيمر، وأن هذا التعب له نهاية، حتى وإن تأخرت.
ربما في يومٍ ما، سأتنفس بعمق دون أن أشعر بهذا الضغط، ربما سيخفّ هذا الحمل، ولو قليلًا. ربما سأعود إليّ، دون أن أبحث كثيرًا، ودون أن أشعر بأنني غريبةٌ عن نفسي.
وإلى أن يحدث ذلك، سأبقى أحاول. بهدوء، دون ضجيج، دون أن يلاحظ أحد. سأحاول أن أنقذ ما تبقى مني، وأن أعيش على هذا الأمل الخافت، الذي—رغم كل شيء—لا ينطفئ تمامًا.
د/ صباح الجهني




