كانت الغرفة مظلمة
إلا من الضوء الخافت الذي يتسلل من نافذة صغيرة
يرسم خطوطًا رقيقة على الجدران.
جلست هي على حافة السرير
أغمضت عينيها
والأغنية التي يعرفانها تعلو بهدوء في ذهنها، كل نغمة تحرك شيئًا دفينًا في قلبها.
شعرت وكأن حضنه يحيط بها من كل جانب، دافئًا وآمنًا، وأن نبض قلبه يشبه نبضها، يربط بينهما خيطًا لا يقطعه الزمان أو المكان.
هو في مكان بعيد، مستند على الطاولة، رأسه يميل قليلًا إلى الخلف، يغمض عينيه، يبتسم دون سبب
سوى تخيله لها.
شعرها ينساب على كتفها، عيناها المغمضتان تتأملانه بصمت، ابتسامتها الخجولة تتسرب إلى قلبه،
وصوتها، وإن لم يكن موجودًا، يشعر به في أنفاس الهواء، في خفقان قلبه، في كل لمسة من الذاكرة.
مرت الأيام
وكل منهما يحمل الآخر في تفاصيل صغيرة
طريقة جلوسها
حركة أصابعها حين تحرك شيئًا على الطاولة
الطريقة التي تتنفس بها حين تهدأ
ابتسامتها حين تتذكر شيئًا مضحكًا.
وهو يحملها في نفسه
نبرة صوته حين يضحك
دفء يده حين يلمس شيئًا
حتى الظلال التي ترسم على وجهه حين تغرب الشمس تصبح جزءًا من حبها له.
وذات مساء
خرج هو إلى الحديقة القريبة
جلس على المقعد المفضل تحت شجرة كبيرة
نسيم الليل يلامس وجهه، يغمض عينيه، يستمع للأغنية في رأسه، يتخيلها جالسة بجانبه
رأسها على كتفه، شعرها يتناثر مع الريح، أصابعها تتشابك مع أصابعه.
شعر بحرارة جسدها وكأنها موجودة فعليًا، وكأن كل دقيقة انتظار كانت مجرد تجهيز للقاء حقيقي لم يحدث بعد.
هي خرجت أيضًا، إلى الشرفة الصغيرة التي تطل على الشارع، جلست تستنشق الهواء البارد
عيناها مغمضتان
تتخيل خطواته، وجهه، ابتسامته، حتى الضحكة الصامتة التي تملأ قلبها بالدفء.
شعرت بأن كل نسمة ريح تحمل معه حضوره، كل صوت بعيد يذكرها به، وكل أغنية تعلو في ذهنها تشبهه.
مرّت الأيام، والشهور
وكل لحظة غياب أصبحت أكثر حميمية
كل شعور بالاشتياق أصبح أكثر وضوحًا، أكثر عمقًا.
كل تذكر لحضنه، لدفء يده، لنظرة عينيه، أصبح طقسًا يوميًا
حافة حياة، لحظة أمان.
الحب بينهما لم يكن مجرد شعور، بل تجربة كاملة:
عالم خاص، يعيشه كل منهما في قلب الآخر، في جسده، في أنفاسه، في صمت الليل، في الريح، في كل أغنية صادفتها الذكرى.
وفي نهاية المطاف
أصبح حضن الآخر في خيالهما الملاذ الذي يلجأان إليه عند ثقل العالم
وصار صوتهما، ابتسامتهما، أنفاسهما، وحتى ضحكاتهما الصغيرة، جزءًا من حياتهما اليومية
جزءًا من الحرية الحقيقية للحب.
الحب بينهما صار مساحة حية، ممتدة بين اللحظة والذكرى، بين الحاضر والخيال
بين الاشتياق واللقاء المنتظر بحيث أصبح كل شوق وكل لحظة انتظار مجرد طريق للوصول إلى ذلك اليوم الذي سيحتضنان فيه بعضهما بلا قيود
بلا أغاني
بلا انتظار
فقط جسدان وروحان ممتلئان ببعضهما البع
ض، يعيشان كل حواس الحب في لحظة واحدة لا تُنس.
د/صباح الجهني





