الاثنين، 31 أغسطس 2026

ساحة القتال

 






حين يصبح الإيمان ساحةً للقتال

كثيرًا ما تفلت منّا دموع الحزن والخوف والأمل.

تسقط دون استئذان، في لحظة كنا نظن أننا أقوى منها، وتفضح شيئًا حاولنا طويلًا أن نخفيه عن الآخرين، وربما عن أنفسنا أيضًا. نمسحها سريعًا، نبتسم، نُكمل حديثنا كأن شيئًا لم يحدث، ثم نعود إلى وحدتنا لنكتشف أن ما حاولنا الإمساك به طوال اليوم ما زال يسكن في مكانه العميق داخل القلب.

هناك أحزان لا تبكيها العيون فقط، بل يسكنها الجسد كله.

نشعر بها في ثقل الصدر، في الصمت الطويل، في شرود الذهن، في تلك اللحظة التي نتوقف فيها عن الكلام لأننا نعرف أن كلمة واحدة إضافية قد تجعل كل شيء ينهار.

نحن لا نبكي دائمًا لأننا ضعفاء، بل لأن القلب له طاقة محدودة على الاحتمال.

وحين تمتلئ المساحة، تبحث المشاعر عن منفذ، فتخرج دمعة.

دمعة واحدة قد تحمل وراءها سنوات من الصبر، وأيامًا طويلة من الانتظار، وأشياء كثيرة لم نقلها، وأمنيات لم تتحقق، وأشخاصًا تغيروا، وأبوابًا أُغلقت في وجوهنا، وأبوابًا أخرى ما زلنا نقف أمامها وننتظر أن تُفتح.

وأحيانًا لا نعرف لماذا نبكي أصلًا.

هل نبكي على ما حدث؟

أم على ما كنا نتمنى ألّا يحدث؟

أم نبكي على ما لم يحدث أصلًا؟

ربما نبكي على كل ذلك دفعة واحدة.

فالإنسان لا يحمل في قلبه حاضرَه فقط، بل يحمل معه ذاكرته، وخوفه من المستقبل، وصورًا كثيرة لما كان يمكن أن يكون عليه حياته لو سارت الأمور بطريقة أخرى.

نحن نعيش بين ثلاثة أشياء متعبة:

شيء حدث وانتهى لكنه لم ينتهِ في داخلنا.

وشيء نعيشه الآن ونحاول أن نفهمه.

وشيء لم يحدث بعد، ومع ذلك نخاف منه.

وهنا يبدأ الصراع.

ليس الصراع مع الحياة وحدها، وإنما الصراع مع أنفسنا.

نحاول أن نكون عقلانيين، بينما القلب يصرخ.

نحاول أن نبدو مطمئنين، بينما في الداخل ألف سؤال.

نقول: "أنا بخير"، ثم نعود في الليل لنسأل أنفسنا السؤال نفسه عشرات المرات.

ماذا لو؟

ماذا لو لم يتغير شيء؟

ماذا لو تأخر الفرج؟

ماذا لو خسرنا ما نحب؟

ماذا لو كان الطريق الذي نمشي فيه ليس الطريق الصحيح؟

وماذا لو كانت كل محاولاتنا للتمسك بالأمل مجرد محاولة أخيرة حتى لا نسقط؟

هنا تحديدًا يصبح الإيمان ساحة القتال.

الإيمان ليس دائمًا ذلك الشعور الجميل الهادئ الذي نتخيله.

ليس دائمًا قلبًا مطمئنًا لا يعرف الخوف، ولا روحًا لا تتردد، ولا إنسانًا لا يسأل.

أحيانًا يكون الإيمان أن تخاف، ثم تقول رغم خوفك: سأثق.

أن تشك، ثم تبحث عن اليقين بدل أن تستسلم للشك.

أن تتعب، ثم تواصل الطريق.

أن تبكي وأنت تقول في داخلك: يا رب، أنا لا أفهم، لكنني أثق بك.

وهذه ربما واحدة من أصعب صور الإيمان.

أن تؤمن وأنت لا ترى.

أن تطمئن إلى وعد لم تصل إليه بعد.

أن تنتظر شيئًا لا تعرف متى سيأتي.

أن تترك مساحة في قلبك للأمل، بينما كل الظروف من حولك تقول لك إن عليك أن تستسلم.

فالشك لا يأتي دائمًا بصورة واضحة.

أحيانًا يتسلل إلينا في هيئة سؤال بريء:

"لماذا تأخر؟"

ثم يكبر السؤال.

"لماذا أنا؟"

ثم يأتي سؤال آخر:

"هل سيتغير شيء فعلًا؟"

وهكذا تبدأ المعركة.

معركة لا يسمعها أحد.

لا أحد يعرف كم مرة أقنعت نفسك أن تصبر.

ولا أحد يعرف كم مرة فتحت يديك بالدعاء ثم أغلقتها وأنت تشعر أنك لم تعد تملك شيئًا سوى الانتظار.

ولا أحد يعرف كم مرة قلت: "سأترك الأمر لله"، ثم عدت بعد ساعات لتفكر فيه من جديد.

وهذا لا يعني أن إيمانك ضعيف.

بل ربما يعني أنك إنسان.

فالإنسان لا يستطيع أن يلغي مشاعره بمجرد أن يؤمن.

الإيمان لا يجعلنا آلات لا تحزن.

ولا يجعلنا عاجزين عن الخوف.

ولا يمنعنا من التساؤل.

لكنه يمنحنا مكانًا نعود إليه كلما أخذتنا الحياة بعيدًا.

يعلمنا أن المشاعر ليست دائمًا حقيقة.

قد أشعر أن كل شيء انتهى، بينما لم ينتهِ شيء.

قد أشعر أن الباب أُغلق إلى الأبد، بينما هناك باب آخر لم أره بعد.

قد أشعر أنني وحيد، بينما الله أقرب إليّ مما أتصور.

وقد أشعر أن تأخر الشيء يعني حرماني منه، بينما ربما يكون التأخير نفسه جزءًا من الحكمة التي لا أستطيع رؤيتها الآن.

نحن نريد الإجابات بسرعة.

نريد أن نفهم قبل أن نطمئن.

نريد أن نعرف لماذا حدث هذا، ومتى سينتهي، وماذا سيأتي بعده.

لكن الحياة لا تعطينا دائمًا هذه الإجابات.

وأحيانًا تكون أصعب مراحل الإيمان هي تلك التي لا نملك فيها إجابة.

أن تمشي دون خريطة.

أن تدعو دون أن تعرف متى ستكون الإجابة.

أن تنتظر دون أن تعرف هل سيكون ما تنتظره هو الخير فعلًا أم أن الخير سيكون في شيء آخر تمامًا.

وهنا نتعلم شيئًا مؤلمًا وجميلًا في الوقت نفسه:

أن الإيمان ليس أن تحصل على ما تريد، بل أن تثق أن ما سيأتيك لن يكون خارج علم الله ورحمته.

قد لا يأتي الشيء الذي تمنيناه.

قد لا يعود الشخص الذي انتظرناه.

قد لا يُفتح الباب الذي وقفنا أمامه طويلًا.

قد لا تسير الحياة بالطريقة التي رسمناها في خيالنا.

لكن هذا لا يعني أن الحياة خانتنا.

ربما نحن فقط كنا نعتقد أن الخير له شكل واحد.

بينما الخير قد يأتي بصورة لم نتوقعها.

قد يأتي بعد خسارة.

وقد يولد من رحم الألم.

وقد يبدأ عندما نظن أن كل شيء انتهى.

كم من باب أغلقناه ونحن نبكي، ثم اكتشفنا بعد سنوات أننا كنا نبكي لأننا لم نعرف أن الله كان يحمينا من شيء لا نراه.

وكم من تأخير ظنناه عقوبة، ثم اكتشفنا أنه كان إعدادًا.

وكم من أمنية تمنيناها بكل ما فينا، ثم حمدنا الله لاحقًا أنها لم تتحقق.

لكن المشكلة أننا لا نملك دائمًا رفاهية معرفة النهاية.

ولهذا نحتاج إلى الإيمان.

لأن الإنسان لو عرف كل شيء مسبقًا، لما احتاج إلى الثقة.

الثقة تبدأ تحديدًا عندما لا نعرف.

عندما لا نملك الصورة كاملة.

عندما نقف أمام المستقبل ولا نرى إلا الضباب.

في تلك اللحظة، يصبح الإيمان هو اليد التي نمسك بها ونحن لا نرى الطريق.

ولعل أجمل ما في الإيمان أنه لا يطلب منك أن تكون قويًا طوال الوقت.

يمكنك أن تتعب.

يمكنك أن تبكي.

يمكنك أن تقول: "يا رب، لقد تعبت."

يمكنك أن تعترف بأنك خائف.

يمكنك أن تقول إنك لا تفهم.

يمكنك أن تسأل.

لكن المهم ألّا تجعل ضعفك يقودك إلى اليأس.

هناك فرق كبير بين أن تقول:

"أنا متعب."

وأن تقول:

"لا أمل."

الأولى اعتراف إنساني.

أما الثانية فهي استسلام.

والإيمان لا يمنع التعب، لكنه يمنع التعب من أن يصبح نهاية الطريق.

لذلك لا تخجل من دموعك.

لا تخجل من لحظات ضعفك.

لا تظن أن قلبك فقد إيمانه لمجرد أنك خفت.

فالقلوب تتعب كما تتعب الأجساد.

والروح تحتاج أحيانًا إلى أن تجلس قليلًا على حافة الطريق، تبكي، ثم تقوم.

ربما ليست المشكلة في أن نبكي.

المشكلة أن نعتقد أن البكاء يعني أننا خسرنا.

أحيانًا تكون الدموع طريقة القلب في تنظيف نفسه من ثقل الأيام.

نبكي ثم نهدأ.

نبكي ثم نصلي.

نبكي ثم ننام.

ثم نستيقظ في اليوم التالي ونجد أن الحياة ما زالت هناك.

وأن الشمس ما زالت تشرق.

وأن القلب، رغم كل ما مر به، ما زال قادرًا على النبض.

وهذه في حد ذاتها نعمة.

أن تستيقظ بعد ليلة ظننت أنك لن تتجاوزها.

أن تجد نفسك ما زلت قادرًا على المحاولة.

أن يعود شيء صغير من الأمل إلى قلبك دون أن تعرف من أين جاء.

ربما هذا هو معنى النجاة أحيانًا.

ليست النجاة أن تختفي المشكلة.

بل أن تتغير أنت في أثناء وجودها.

أن تصبح أكثر صبرًا.

أكثر وعيًا.

أكثر قربًا.

وأقل تعلقًا بما لا تستطيع التحكم فيه.

نحن كثيرًا ما نحاول السيطرة على كل شيء.

نريد أن نعرف المستقبل.

نريد أن نضمن الأشخاص.

نريد أن نضمن النتائج.

نريد أن نتأكد أن كل شيء سيحدث كما خططنا.

لكن الحياة لا تمنحنا هذه الضمانات.

ولهذا فإن جزءًا من السلام أن نتعلم كيف نترك.

أن نترك ما لا نستطيع حمله.

أن نترك النتائج لله.

أن نترك بعض الأسئلة بلا إجابات مؤقتًا.

وأن نقول:

"سأفعل ما أستطيع، وما لا أستطيع سأتركه لمن يستطيع."

عندها تخف المعركة قليلًا.

لا لأن كل شيء تغير، بل لأننا توقفنا عن محاولة حمل العالم بأيدينا.

ويبقى الإيمان هو المساحة التي نعود إليها عندما تضيق بنا كل المساحات.

فيه نضع خوفنا.

وفيه نضع أحزاننا.

وفيه نضع الأشخاص الذين لا نستطيع إنقاذهم.

وفيه نضع أمنياتنا المؤجلة.

وفيه نضع أنفسنا.

ثم نقول:

"يا رب، أنا لا أعرف كيف ستصل الأمور إلى نهايتها، لكنني أعرف أنك تعلم."

وربما لا نحتاج أكثر من ذلك في بعض الأيام.

لا نحتاج تفسيرًا كاملًا.

ولا علامة كبيرة.

ولا معجزة واضحة.

يكفينا أحيانًا أن نشعر بأننا لسنا وحدنا في هذه الرحلة.

أن هناك ربًا يرى ارتجاف القلب قبل أن تنزل الدمعة.

ويرى الدعاء الذي لم نستطع أن ننطقه.

ويعلم الأمنيات التي أخفيناها حتى عن أقرب الناس إلينا.

يعلم كل شيء.

وهنا، في آخر المعركة، حين يهدأ الشك قليلًا، ويضعف الخوف، ويبقى القلب واقفًا رغم كل ما مر به، نكتشف أن الإيمان لم يكن وعدًا بحياة بلا ألم.

بل كان وعدًا بأن الألم ليس كل الحكاية.

وأن الخوف ليس النهاية.

وأن التأخير ليس بالضرورة حرمانًا.

وأن الدموع لا تعني الهزيمة.

وأن الإنسان قد ينكسر كثيرًا، لكنه يستطيع أن يعود من انكساره أكثر قربًا، وأكثر فهمًا، وأكثر رحمة بنفسه وبالآخرين.

لذلك، حين تفلت منا دمعة، لا نحاول دائمًا إخفاءها.

دعها تسقط.

وحين يخاف القلب، لا نعاقبه على خوفه.

وحين يتسلل الشك، لا نهرب منه، بل نبحث عن اليقين.

وحين يتأخر الأمل، لا نقتله في داخلنا.

نترك له نافذة صغيرة.

فربما يدخل منها النور في اللحظة التي لم نعد نتوقعها.

وفي النهاية، يظل الإيمان تلك الساحة التي نقاتل فيها كل يوم:

شكًّا باليقين،

وخوفًا بالرجاء،

وحزنًا بالصبر،

ويأسًا بالأمل.

وقد لا نخرج من المعركة دائمًا منتصرين.

قد نخرج منها متعبين، بعيون دامعة وقلوب مثقلة.

لكن يكفينا أننا خرجنا منها وما زلنا نؤمن.

وما دام في القلب إيمان، فهناك دائمًا شيء لم ينكسر.

شيء يقول لنا بهدوء:

لم تنتهِ الحكاية بعد.


د.صباح الجهني

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

صناعة الشر




الطيور الجارحة التي نطعمها
هناك من يظن أنه قادر على توجيه الأذى كيفما يشاء، وأن الشر الذي يصنعه سيبقى محصورًا في الآخرين
بعيدًا عنه وعن أحبته. يشبه ذلك من يربي طيورًا جارحة ويطعمها جيدًا، ثم يطلقها لتخطف من يشاء من الناس. 

يراقبها وهي تنقض على ضحاياها
ويشعر بالرضا لأنها تنفذ ما يريد، معتقدًا أنه يملك السيطرة الكاملة عليها.
لكن الحقيقة
التي يغفل عنها كثيرون أن الطيور الجارحة لا تعرف الوفاء لصاحبها
ولا تميز دائمًا بين عدو وصديق.
فهي مدفوعة بغريزتها، لا بأوامر مربيها.
وما دام قد علمها الافتراس، فلا يحق له أن يندهش عندما تخطئ يومًا في اختيار فريستها.
كم
من إنسان غذّى الكراهية حتى كبرت، ثم فوجئ بأنها التهمت راحته قبل أن تصل إلى غيره.
وكم
من شخص شجع الظلم عندما كان يصيب الآخرين، ثم صرخ مستنكرًا عندما طرق الظلم بابه.
فالشر لا يسير في الطرق التي نرسمها له دائمًا.

 بل كثيرًا ما يعود إلى مصدره بعد أن يدور دورة كاملة.
إن من يزرع الفتن بين الناس، أو يربي الأحقاد في القلوب

 أو يستخدم الآخرين أدوات لإيذاء من حوله، يشبه تمامًا من يطلق طيورًا جارحة في السماء.
قد تنجح مهمتها مرات كثيرة، وقد تصيب أهدافها كما أراد

 لكنه لا يملك ضمانة واحدة بأنها لن تنقلب عليه يومًا. وعندما يحدث ذلك.
لن يكون الأمر مفاجأة بقدر ما هو نتيجة طبيعية لما صنعه بيديه.
فالطيور التي تعودت على الخطف لا تسأل عن هوية الضحية

 والنار التي أشعلتها في بيوت الآخرين لا تفرق بين بيتك وبيوتهم إذا اشتدت الرياح.
لذلك كان العقلاء يحذرون دائمًا من صناعة الشر
لا خوفًا على الآخرين فقط، بل خوفًا على أنفسهم وأبنائهم ومستقبلهم..
ومن أعظم الدروس في الحياة أن الأذى حين يصبح وسيلة لتحقيق الغايات.
يتحول مع الوقت إلى قوة مستقلة لا يمكن التحكم بها.

 وعندها قد يجد صاحبها نفسه واقفًا مذهولًا وهو يرى ما رباه بيده يخطف أغلى ما يملك.
لهذا، فإن الحكمة ليست في إطعام الطيور الجارحة وتوجيهها نحو الآخرين.
بل في منعها من التحليق أصلًا.
فمن صنع الخير عاد إليه الخير.

ومن غذّى الشر فلا يلومنّ إلا نفسه إذا عاد يومًا إلى عقر داره.

د.صباح الجهني

الثلاثاء، 5 مايو 2026

ما تبقى منا





 لا شيء يعود كما كان

ولا أحد يخرج من الخذلان كما دخل

كأن القلوب بعد كل صدمة

تعيد تشكيل نفسها بصمت

وتخفي شقوقها خلف ملامح تبدو عادية


الرحمة لا تمحو قسوة القريب

لا تزيل الكلمات التي قيلت في لحظة جفاء

ولا تمسح ذلك الشعور الثقيل

حين تدرك أن من ظننته أمانًا

كان أقرب إلى اختبار قاسٍ

هي فقط تخفف حدّة الذكرى

تجعلها أقل اشتعالًا

لكنها لا تلغيها أبدًا


نغفر أحيانًا

ليس لأنهم يستحقون

بل لأننا تعبنا من حمل الحكاية ذاتها

تعبنا من إعادة المشهد في رؤوسنا

من السؤال الذي لا إجابة له

لماذا


نتعلم أن نضع مسافة

أن نحب دون أن نذوب

أن نقترب دون أن نفقد أنفسنا

أن نختار من يستحق البقاء

ومن يكفيه أن يكون ذكرى


والقهوة

ذلك الطقس الصغير الذي نظنه خلاصًا

لا يعيد من رحل

ولا يملأ الفراغ الذي تركه أحدهم خلفه

لكنها تمنحنا لحظة هدنة

لحظة نجلس فيها مع أنفسنا

دون أن ننهار تمامًا


نرتشفها ببطء

كأننا نحاول أن نمدّ الوقت

أن نؤجل الاعتراف بأن الغياب صار حقيقة

وأن بعض الأماكن في القلب

لن يسكنها أحد بعد اليوم


نتظاهر بالقوة

نضحك في الوقت المناسب

نجيب حين يُسأل عنا نحن بخير

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير

الحقيقة أن هناك شيئًا ما في الداخل

انطفأ بهدوء

دون ضجيج

دون أن يلاحظه أحد


أما الحياة

فليست كما وعدتنا أحلامنا الأولى

ليست عادلة دائمًا

ولا تسير وفق ما خططنا له بعناية

هي تمضي بطريقتها الخاصة

وتضعنا في مواقف لم نخترها

وتجبرنا أن نتعلّم دروسًا

لم نكن مستعدين لها


تعطي ثم تأخذ

تقرب ثم تبعد

تفتح بابًا لتغلق آخر

وكأنها تذكّرنا باستمرار

أن الثبات وهم

وأن التعلّق الزائد

ثمنه دائمًا باهظ


نكتشف متأخرين

أننا لن نحصل على كل ما نحب

وأن بعض الأمنيات

خُلقت فقط لتبقى في الخيال

لا لتتحقق


لكننا رغم كل ذلك

لا نتوقف عن المحاولة

لا نتوقف عن الحلم

حتى وإن خفّ وهجه


نتعلم أن نعيش بما تبقى

أن نلتقط الأشياء الصغيرة

التي ما زالت تمنحنا شعورًا خفيفًا بالحياة

أن نصنع من التفاصيل البسيطة

سببًا للاستمرار


نتعلم أن القوة ليست في عدم الانكسار

بل في أن ننهض كل مرة

بقلوب أقل ثقة نعم

لكن بعقول أكثر وعيًا

وبأرواح تعرف جيدًا

أين تضع نفسها هذه المرة


وفي النهاية

لا نعود كما كنا

لكننا لا نبقى كما كنا نخاف

نصبح نسخة أخرى

أكثر هدوءًا

أقل اندفاعًا

وأشد إدراكًا

أن الحياة لا تمنحنا ما نحب دائمًا

لكنها تمنحنا فرصة

أن نصبح أشخاصًا

لم نتخيل يومًا أننا سنكون هم


د. صباح الجهني 


الأربعاء، 22 أبريل 2026

صباحي 😍





 الحبُّ الصامتُ ليس حكايةً تُروى. بل حالةٌ تُعاش.

كأنك تحملُ في صدركَ سرًّا دافئًا لا تبوحُ به.

 لا خوفًا. بل هيبةً من أن تُفسدهُ الكلمات.

أو تُنقصَ من صفائهِ حين يمرُّ عبر حروفٍ لا تُحسنُ احتواءه.


هو ذاك الشعورُ الذي لا يطرقُ الأبواب.

بل يسكنكَ بهدوءٍ. كأنَّهُ خُلِقَ فيكَ منذ البدء.

يتسللُ إلى يومكَ دون استئذان.

فيغيّر تفاصيلهُ بلطفٍ دون أن يُحدثَ ضجيجًا.


تجدهُ في ابتسامةٍ مباغتة.

في سكونكَ الذي لم تعهده.

في ذاك السلامِ الغامضِ الذي يغمرك

كلما مرَّ طيفهُ في بالك. كنسمةٍ تعرفُ طريقها إليكَ.


في الحبِّ الصامت لا تنتظرُ شيئًا.

لا وعدًا ولا لقاءً ولا حتى اعترافًا.

يكفيكَ أنَّهُ هناك. حيٌّ فيك.

يمنحكَ معنى خفيًا للحياة.

ويوقظكَ كلَّ صباحٍ

كأنَّ قلبكَ يهمس. انهض.

هناك ما يستحقُّ أن تكونَ بخيرٍ لأجله.


فتصبحُ أكثرَ لطفًا مع العالم.

لا لأن العالمَ تغيّر.

بل لأنكَ تغيّرت.

ترى الأشياءَ بعينٍ أهدأ.

وتحملُ قلبًا أقلَّ قسوة.

كأنَّ هذا الحبَّ أعادَ ترتيبكَ من الداخل.

دون أن يلمسكَ أحد.


وتمضي في يومكَ.

تحملُ هذا السرَّ كضياءٍ خفي لا يراهُ أحد.

لكنَّهُ ينعكسُ في صوتكَ. في صبركَ. في نظراتكَ.

في تلك الطمأنينةِ التي لا تُفسَّر.


وفي المساءِ حين تخفُتُ الأصوات.

وتنطفئُ ضوضاءُ العالم.

تعودُ إليه. لا لتشكو ولا لتسأل.

بل لتشعر فقط.

تشعرُ أنكَ لستَ وحيدًا تمامًا.

حتى وإن غابَ عنكَ.

يكفي أنَّهُ يسكنكَ.

كأنَّهُ بيتكَ الذي لا تغادره.


الحبُّ الصامتُ لا يُرهقُكَ بالأسئلة.

ولا يُثقلكَ بالتوقعات.

هو نافذةٌ مفتوحةٌ في روحكَ.

يدخلُ منها الضوءُ كلما أظلمتْ أيامكَ.

ولا أحدَ يراها.

لكنَّكَ تعرفُ كيف تُنقذك.


وربما تكمنُ روعتهُ

في أنَّهُ لا يسعى لأن يُكتمل.

بل يرضى بأن يكون.

نقيًا كما بدأ.

بلا شروط ولا حسابات.

بلا نهايةٍ واضحة ولا بدايةٍ مُعلنة.


هو حبٌّ يشبهُ الصباح.

لا يُعلنُ قدومهُ بضجيج.

لكنَّهُ حين يحضر

يملأُ كلَّ شيءٍ نورًا.


ويُشبهُ الدعاءَ الخفي.

الذي لا يسمعهُ أحد.

لكنَّهُ يُبدّلُ فيكَ أشياءَ كثيرة.

دون أن تدري كيف.


هو ذاك الشعورُ الذي

كلما ظننتَ أنَّهُ خفَت.

عادَ يهمسُ فيكَ من جديد.

ما زلتَ حيًّا. لأنَّ في قلبكَ شيئًا يُحب.


د. صباح الجهني 

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

19 أبريل 2026 — بين السماء والجبال

 





19 أبريل 2026 — بين السماء والجبال


كان المقعد بجانب النافذة، والسماء ممتدة بلا نهاية… زرقة واسعة تتخللها غيوم بيضاء متفرقة، كأنها جزر هادئة في بحرٍ لا يُرى له شاطئ. كنت في طريقي إلى أعالي الجبال، رحلة كنت أظنها هروبًا قصيرًا من ضجيج الحياة، لكنها بدأت من السماء… وكأنها أرادت أن تعلّمني شيئًا قبل أن أصل.


داخل الطائرة، كان كل شيء مألوفًا: همسات خافتة، ضوء أصفر دافئ، ووجوه غارقة في شاشات صغيرة أو أفكار أكبر منها. لكن وسط هذا الاعتياد، كانت هناك امرأة كسرت كل هذا الهدوء.


كانت تجلس غير بعيد عني.


لم تكن ملامحها لافتة بالمعنى المعتاد، لكنها كانت ثقيلة… ثقيلة بمعنى أنها تحمل شيئًا لا يُرى. جسدها كان نحيلًا على نحو يوحي بأن الحياة أخذت منها أكثر مما أعطت. كتفاها مائلان قليلًا إلى الأمام، كأنهما يحملان سنوات لا تُحمل، وظهرها لم يعد مستقيمًا كما يجب، بل انحنى احترامًا لمرور الزمن.


يدها…


يدها كانت أكثر ما شدّني. أصابعها رفيعة، جلدها رقيق يكاد يكشف عن عروق زرقاء باهتة، وارتجاف خفيف لا يمكن تجاهله. لم يكن ارتجاف ضعفٍ مفاجئ، بل ارتجافًا معتادًا… كأنه أصبح جزءًا منها، كأنه لغة جديدة يتحدث بها جسدها بعد أن نسي لغته الأولى.


كانت تحاول أن ترفع كوب الماء.


ببطء شديد، بحذر يشبه الخوف من أن يخذلها جسدها في أي لحظة. ارتجفت يدها أكثر عندما اقترب الكوب من شفتيها، فاهتز الماء قليلًا، وكأن حتى السكون لم يعد مضمونًا. توقفت للحظة… ثم أعادت المحاولة. لم تغضب، لم تتذمر، فقط استمرت.


في عينيها كان شيء آخر.


لم تكن نظرة تعب فقط… بل نظرة امتلاء. كأنهما شهدتا الكثير: وجوهًا جاءت ورحلت، أماكن تغيّرت، وأيامًا لم تعد كما كانت. كان فيهما هدوء غريب، لكنه ليس راحة، بل هدوء يشبه ما يأتي بعد أن يتعب الإنسان من المقاومة.


توقفت عيناي عندها طويلًا، دون أن أشعر.


وفي داخلي بدأ السؤال يتسلل ببطء:


لماذا يذبل الإنسان هكذا؟


لماذا لا تكون نهايتنا خفيفة… كالأشياء الجميلة التي تنتهي دون هذا الانسحاب البطيء من الحياة؟ لماذا لا نموت كما تذبل وردة… بهدوء، بصمت، بلا هذا الثقل الذي نعيشه ونحن نقترب من النهاية؟


في تلك اللحظة، رسم خيالي وردة.


كانت واقفة في مكانٍ ما، مكتملة الجمال، ثم بدأت رحلتها نحو الذبول. لم تقاوم، لم تسأل، لم تخف. فقط خفّ لونها قليلًا، انحنت أوراقها برفق، ثم تركت الحياة تنسحب منها كما تنسحب موجة من على الشاطئ… دون صوت، دون ألم يُرى.


عدت إليها.


إلى المرأة.


وأدركت شيئًا أربكني أكثر من السؤال نفسه:


الفرق ليس في الذبول… بل في الوعي.


الوردة لا تعرف أنها تذبل. لا تنتظر النهاية، ولا تتخيلها، ولا تخاف منها. أما هذه المرأة، فهي تعيش كل لحظة من هذا الذبول. تشعر به في يدها، في ظهرها، في خطواتها، وربما في قلبها أيضًا.


جسدها يتراجع… لكن داخلها ما زال حاضرًا.


يتذكر… يقارن… ينتبه لكل تغيير صغير.


وهنا، بالضبط، يكمن الوجع.


ليس لأن الجسد يضعف… بل لأن الروح تظل ترى ذلك بوضوح.


اهتزت الطائرة فجأة.


اهتزاز خفيف، لكنه كان كافيًا ليجعل الكوب يميل من يدها. انسكب قليل من الماء على طرف المقعد، فتجمدت للحظة، كأنها خافت أن تكون قد أخطأت. جاءت المضيفة بسرعة، مسحت المكان، وساعدتها برفق.


رفعت المرأة عينيها إليها…


وابتسمت.


كانت ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى، لكنها لم تكن عابرة. لم تكن مجرد شكر، بل كانت شيئًا أعمق… شيئًا يشبه القبول. كأنها تقول: “لا بأس… هكذا أصبحت الأمور.”


تلك الابتسامة تحديدًا بقيت داخلي.


لم تكن جميلة بالشكل المعتاد، لكنها كانت صادقة بطريقة تؤلم.


في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أنظر إلى امرأة فقط… بل إلى نهاية إنسان تُكتب ببطء، أمامي، دون كلمات.


---


وصلت إلى الجبال لاحقًا.


كانت مرتفعة، شامخة، صامتة. الهواء هناك مختلف… أخف، أنقى، وكأنه لا يعرف التعب الذي نحمله نحن. وقفت على حافة مرتفعة، أنظر إلى الامتداد الواسع أمامي، وشعرت أن العالم كله أصبح أصغر من فكرة تدور داخلي.


تذكرتها.


تذكرت يدها، ارتجافها، ابتسامتها.


وتساءلت مرة أخرى، لكن بهدوء هذه المرة:


هل السلام أن نرحل بسرعة… كزهرة؟


أم أن السلام الحقيقي هو أن نصل إلى تلك اللحظة التي ابتسمت فيها؟


لحظة لا نقاوم فيها التغيّر، لا نخاف منه، لا نسأل لماذا… بل نقبله كما هو.


الجبال أمامي كانت ثابتة، لا تتغير بسرعة، لكنها أيضًا تتآكل ببطء عبر الزمن… دون شكوى. ربما كل شيء يذبل بطريقته، لكن الفرق أننا الوحيدون الذين نعرف ذلك.


أغمضت عيني للحظة.


وأدركت أنني لم أعد أتمنى أن أموت كوردة…


بل أن أمتلك، حين يحين الوقت، تلك الابتسامة.


د. صباح الجهني 

الأحد، 5 أبريل 2026

جسر القرار

 




الأمنية" و"الواقع".. جسر اسمه القرار

نعيش كثيرًا داخل ما نتمناه

نمنح أحلامنا مساحة واسعة في خيالنا

نراها واضحة

نلمس تفاصيلها

ونشعر أحيانًا أنها أقرب مما هي عليه

لكننا حين نعود إلى الواقع

نكتشف أن المسافة لا تزال كما هي

أن الأمنيات، رغم جمالها

تبقى معلّقة

لا تنزل إلى الأرض

إلا إذا حملها قرار

بين الأمنية والواقع

لا يقف الوقت وحده

ولا الظروف وحدها

بل يقف ذلك التردد الخفي

الذي يؤجل كل شيء

ويقنعنا أن “غدًا” وقت أفضل

وأننا “لاحقًا” سنكون أكثر استعدادًا

لكن “غدًا”

نادراً ما يأتي بالشكل الذي ننتظره

والاستعداد الكامل

وهم نختبئ خلفه

لنبرر بقاءنا في أماكن لم نعد ننتمي إليها

الحقيقة التي لا نحب مواجهتها

أن التغيير لا يحدث لأننا نتمنى

ولا لأننا تعبنا من الوضع الحالي

بل يحدث فقط

حين نقرر أن التعب من المحاولة

أهون من تعب البقاء

القرار ليس لحظة حماس

ولا اندفاعًا عابرًا

القرار الحقيقي هادئ

يولد في الداخل

بعد صراع طويل

بعد أسئلة كثيرة

وبعد إدراك عميق

أنك إن لم تتحرك الآن

فستبقى تدور في نفس الدائرة

وعندما يُتخذ القرار

لا تتغير الحياة فجأة

لا تختفي الصعوبات

ولا يصبح الطريق مفروشًا بالراحة

بل على العكس

تبدأ المواجهة الحقيقية

مع نفسك أولًا

مع كسلها

مع خوفها

مع كل صوت داخلي

يحاول أن يعيدك إلى ما اعتدت عليه

في تلك اللحظات

لا تحتاج إلى دافع كبير

ولا إلى كلمات ملهمة

بل تحتاج إلى شيء أبسط

وأصعب في الوقت نفسه

الاستمرار

أن تخطو

حتى وأنت متعب

أن تكمل

حتى وأنت غير متأكد

أن تثبت

حتى حين لا ترى نتيجة

لأن الوصول

لا يُبنى باللحظات الكبيرة

بل يتشكل من قرارات صغيرة متكررة

تقول فيها لنفسك كل يوم:

لن أتراجع

ومع الوقت

تبدأ أشياء خفية بالتغير

نظرتك لنفسك

قدرتك على التحمل

طريقتك في التعامل مع الخوف

تدرك أن القوة

لم تكن شيئًا تملكه من البداية

بل شيئًا بنيته

في كل مرة رفضت فيها الاستسلام

وهنا فقط

يبدأ الفرق بالظهور

ليس لأن الطريق أصبح أسهل

بل لأنك أصبحت أقوى

ولأنك لم تعد ذلك الشخص

الذي ينتظر الفرصة

بل الذي يصنعها

وفي النهاية

لن يكون أهم ما حققته

هو ما وصلت إليه

بل من أصبحت عليه في الطريق

ذلك الشخص

الذي لم يعد يرضى بالعادي

الذي لم يعد يؤجل نفسه

والذي أدرك أن الأمنية

ليست بداية الطريق

بل القرار


د/صباح الجهني 

السبت، 4 أبريل 2026

نبض لا ينقطع

 





كانت الغرفة مظلمة 

إلا من الضوء الخافت الذي يتسلل من نافذة صغيرة

 يرسم خطوطًا رقيقة على الجدران.

 جلست هي على حافة السرير

أغمضت عينيها

والأغنية التي يعرفانها تعلو بهدوء في ذهنها، كل نغمة تحرك شيئًا دفينًا في قلبها.

 شعرت وكأن حضنه يحيط بها من كل جانب، دافئًا وآمنًا، وأن نبض قلبه يشبه نبضها، يربط بينهما خيطًا لا يقطعه الزمان أو المكان.

هو في مكان بعيد، مستند على الطاولة، رأسه يميل قليلًا إلى الخلف، يغمض عينيه، يبتسم دون سبب

 سوى تخيله لها.

 شعرها ينساب على كتفها، عيناها المغمضتان تتأملانه بصمت، ابتسامتها الخجولة تتسرب إلى قلبه، 

وصوتها، وإن لم يكن موجودًا، يشعر به في أنفاس الهواء، في خفقان قلبه، في كل لمسة من الذاكرة.

مرت الأيام

 وكل منهما يحمل الآخر في تفاصيل صغيرة

طريقة جلوسها

حركة أصابعها حين تحرك شيئًا على الطاولة

الطريقة التي تتنفس بها حين تهدأ

 ابتسامتها حين تتذكر شيئًا مضحكًا. 

وهو يحملها في نفسه

نبرة صوته حين يضحك

 دفء يده حين يلمس شيئًا

 حتى الظلال التي ترسم على وجهه حين تغرب الشمس تصبح جزءًا من حبها له.

وذات مساء

خرج هو إلى الحديقة القريبة

جلس على المقعد المفضل تحت شجرة كبيرة

نسيم الليل يلامس وجهه، يغمض عينيه، يستمع للأغنية في رأسه، يتخيلها جالسة بجانبه

رأسها على كتفه، شعرها يتناثر مع الريح، أصابعها تتشابك مع أصابعه. 

شعر بحرارة جسدها وكأنها موجودة فعليًا، وكأن كل دقيقة انتظار كانت مجرد تجهيز للقاء حقيقي لم يحدث بعد.

هي خرجت أيضًا، إلى الشرفة الصغيرة التي تطل على الشارع، جلست تستنشق الهواء البارد

 عيناها مغمضتان

 تتخيل خطواته، وجهه، ابتسامته، حتى الضحكة الصامتة التي تملأ قلبها بالدفء. 

شعرت بأن كل نسمة ريح تحمل معه حضوره، كل صوت بعيد يذكرها به، وكل أغنية تعلو في ذهنها تشبهه.

مرّت الأيام، والشهور

 وكل لحظة غياب أصبحت أكثر حميمية

كل شعور بالاشتياق أصبح أكثر وضوحًا، أكثر عمقًا.

 كل تذكر لحضنه، لدفء يده، لنظرة عينيه، أصبح طقسًا يوميًا

حافة حياة، لحظة أمان.

 الحب بينهما لم يكن مجرد شعور، بل تجربة كاملة:

 عالم خاص، يعيشه كل منهما في قلب الآخر، في جسده، في أنفاسه، في صمت الليل، في الريح، في كل أغنية صادفتها الذكرى.

وفي نهاية المطاف

 أصبح حضن الآخر في خيالهما الملاذ الذي يلجأان إليه عند ثقل العالم

وصار صوتهما، ابتسامتهما، أنفاسهما، وحتى ضحكاتهما الصغيرة، جزءًا من حياتهما اليومية

 جزءًا من الحرية الحقيقية للحب.

 الحب بينهما صار مساحة حية، ممتدة بين اللحظة والذكرى، بين الحاضر والخيال

بين الاشتياق واللقاء المنتظر بحيث أصبح كل شوق وكل لحظة انتظار مجرد طريق للوصول إلى ذلك اليوم الذي سيحتضنان فيه بعضهما بلا قيود

بلا أغاني

 بلا انتظار

فقط جسدان وروحان ممتلئان ببعضهما البع

ض، يعيشان كل حواس الحب في لحظة واحدة لا تُنس.


د/صباح الجهني 

الجمعة، 3 أبريل 2026

ثِقَلٌ لا يُرى





في داخلي شيءٌ لا يُرى، لكنه حاضرٌ في كل تفاصيل يومي، كظلٍّ لا ينفصل عني، أو كصوتٍ خافتٍ لا يتوقف. ليس ألمًا واضحًا يمكن الإشارة إليه، ولا حزنًا عابرًا يمكن تجاوزه، بل ثِقَلٌ غامض، يتسلل بهدوء ويستقر في أعمق نقطةٍ في صدري، حيث لا يصل أحد.


كل ما أريده ليس كثيرًا؛ لا أبحث عن خلاصٍ كبير، ولا عن معجزةٍ تغيّر كل شيء دفعةً واحدة. أريد فقط هدوءًا بسيطًا، لحظةً صافيةً تخلو من هذا الضجيج الداخلي، أن تتوقف الأسئلة التي لا تنتهي، وأن تهدأ هذه الفوضى التي لا يراها أحد. أريد أن أشعر، ولو لوهلة، أنني لست مضطرًا لأن أكون قويًا طوال الوقت.


تعبت من هذا التماسك المستمر، من ترتيب الفوضى بصمت، ومن إقناع نفسي كل يومٍ بأن الغد سيكون أخف، بينما الأيام تمضي وأنا كما أنا، لا يتغير في داخلي شيء. أحمل هذا الثقل كأنه جزءٌ مني، رغم أنني أعلم في مكانٍ ما أنه ليس أنا.


أحيانًا أتساءل: كيف يمكن لإنسانٍ أن يمتلئ بكل هذا ولا ينكسر؟ أم أنني انكسرت بالفعل، لكنني تعلّمت كيف أخفي الشقوق بعناية، كيف أبدو طبيعيًا، وكيف أواصل العيش دون أن يلاحظ أحد ما يحدث في داخلي؟


أمضي بين الناس بوجهٍ يعرف الطريق، وبخطواتٍ لا تتعثر، لكن قلبي تائه، يبحث عن شيءٍ لا يعرف اسمه. أضحك أحيانًا، ليس لأنني بخير، بل لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل، ولأنني لم أعد أجد طريقةً أخرى لأُخفي ما في داخلي.


أراقب نفسي من بعيد، كأنني شخصٌ آخر يحاول أن يفهم متى تغيّر كل شيء، ومتى أصبحت الأشياء التي كنت أحبها بلا طعم، وبلا أثر. لم تعد تعيدني إليّ، ولم أعد أجد نفسي فيها، كأنني انفصلت عن ذاتي دون أن أشعر.


أذوب ببطء، دون صوت، دون ضجيج، دون أن يلاحظ أحد هذا الغياب التدريجي. وهذا ما يؤلم أكثر؛ أن يحدث كل هذا في صمتٍ تام، وكأنني أختفي دون أن أترك أثرًا.


أحتاج أن أعود، لكنني لا أعرف الطريق، ولا أعرف متى ضعت أصلًا. كل ما أعرفه أن هذا الثقل ليس أنا، لكنه أصبح يسكنني، وأصبحت أحمله كأنه قدري.


ومع ذلك، هناك شيء صغير في داخلي لا يزال يقاوم، شيء يشبه الأمل، خافتٌ لكنه حاضر. يهمس لي بين حينٍ وآخر أن كل هذا سيمر، وأن هذا التعب له نهاية، حتى وإن تأخرت.


ربما في يومٍ ما، سأتنفس بعمق دون أن أشعر بهذا الضغط، ربما سيخفّ هذا الحمل، ولو قليلًا. ربما سأعود إليّ، دون أن أبحث كثيرًا، ودون أن أشعر بأنني غريبةٌ عن نفسي.


وإلى أن يحدث ذلك، سأبقى أحاول. بهدوء، دون ضجيج، دون أن يلاحظ أحد. سأحاول أن أنقذ ما تبقى مني، وأن أعيش على هذا الأمل الخافت، الذي—رغم كل شيء—لا ينطفئ تمامًا.



د/ صباح الجهني 

الجمعة، 27 مارس 2026

انين الروح


 




يا قلبٍ يحكي أكثر مما يحتمل

ويُخفي بين نبضاته وجعًا لا يُقال
كم مرّةٍ ضحكتَ للناس مطمئنًا
وفي داخلك ألفُ حكايةٍ واعتلال
تحمل عن غيرك وتنسى نفسك
وتغفر وكأنك خُلِقت لتُغتال
تُعطي بلا حدٍّ بلا شرطٍ
حتى غدوتَ من العطاء مُثقال
تمشي وبين الناس هادئَ الملامح
وفي صدرك إعصارٌ بلا سؤال
تُجيد التماسك كأنك صخر
لكنّك في الوحدة هشٌّ كظلال
كم مرةٍ قلت أنا بخير
وكانت تلك أكبر كذبة تُقال
وكم ليلةٍ أويتَ فيها لنفسك
تُرتّب دمعك كي لا يُرى أو يُنال
يا قلب لا تُرهقك الحكايات
ليس كل وجعٍ يُروى ولا كل صمت يُطال
بعض الألم يحتاج حضن روحك
لا تفسيرًا ولا ألف سؤال
خفّف عنك هذا الثقل قليلًا
فأنت لست مُطالبًا بكل هذا الكمال
يكفيك أنك ما زلت تمضي
رغم كل ما فيك من انكسار وارتحال
وإن خذلك العالم يومًا
كن لنفسك وطنًا وكن لها ظلال
دلّل تعبك وامسح حزنك
فأنت أحق الناس بك في كل حال
دع بعض الحنين يمر بسلام
ولا تُمسك بكل ما فات ومال
فليست كل الذكريات تُستعاد
ولا كل القلوب تُصلحها الوصال
وإن ضاق صدرك يومًا فابكِ
فالبكاء أحيانًا نجاة لا تُذال
ليس ضعفًا أن تفيض دموعك
بل شجاعة روح أرهقها الاحتمال
يا قلب
إنك أقوى مما تظن
وأحنّ مما يليق بك هذا العالم القاسي المُحال
فكن لنفسك رحمة حين يقسو الزمن
وكن لها نورًا إذا طال الظلال 🌙
د/ صباح الجهني 

الجمعة، 6 فبراير 2026

ميراف

 



ميراف


لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح

كانت موجودة فقط

وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان


لم تدخل المشهد لتثبت شيئا

ولم تقف على الأطراف لتتفادى

كانت في المنتصف دون ادعاء

ودون خوف

ودون محاولة لتخفيف وقع حضورها


وجودها لم يكن صاخبا

بل ثقيلا

ثقل الشيء المتماسك

الذي لا يمكن دفعه بسهولة


لم يكن في سجلها خطأ واضح

ولا كذب

ولا التفاف

ومع ذلك

لم يرتحوا لها


الراحة لم تكن مطلوبة

كان المطلوب تفسير

وحين لا يأتي التفسير

يأتي الحكم


قالوا إن في صمتها شيئا مريبا

وإن وضوحها زائد عن الحد

وإن استقلالها لا يشبه النساء

كأن الهدوء إذا لم يطلب الإذن

يصبح تهديدا


لم يحاكموها لأنها أخطأت

بل لأنها لم تضع نفسها في موقع الدفاع

لم تشرح دوافعها

ولم تستعطف الفهم

ولم تمنحهم متعة السيطرة


ميراف لم تكن غامضة

كانت مفهومة أكثر مما يحتملون

والشيء المفهوم حين لا يمكن التحكم به

يصبح عدوا


بدؤوا يعيدون تشكيلها بالكلام

كل جملة قيلت عنها

كانت حجرا صغيرا

يوضع في بناء صورة

لا تشبهها


قالوا إنها متعالية

لأنها لا تنحني

وقالوا إنها باردة

لأنها لا تستنزف نفسها في التبرير

وقالوا إنها ذكية أكثر من اللازم

كأن الذكاء تهمة

إذا لم يكن في خدمة أحد


كانت تسمع

ولا ترد

ليس لأنها عاجزة

بل لأنها أدركت

أن الرد لا يغير الصورة

بل يمنحها حياة أطول


شيئا فشيئا

لم يعد السؤال من تكون ميراف

بل ماذا نفعل بها


حينها فقط

فهمت أن المشكلة

لم تكن في أخلاقها

ولا في سلوكها

بل في كونها غير قابلة للاختزال


المرأة التي لا يمكن تصنيفها

تخيف

لأنها تخرج عن نظام التوقع

وتكسر وهم السيطرة


ميراف لم تدافع

لأن الدفاع يفترض ذنبا

وهي لم ترتكبه

ولأن الصمت أحيانا

ليس ضعفا

بل رفضا للمحاكمة


كانوا بحاجة إلى ذنب

أي ذنب

ليبرروا نفورهم

فاخترعوه


صنعوا منها تصورا

ثم صدقوه

ثم تعاملوا معه

كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة


ومع الوقت

لم يعودوا يرونها

بل يرون النسخة التي صنعوها عنها

وتعاملوا معها

وأدانوا تلك النسخة

وعاقبوها


ميراف لم تسقط

لكنها انسحبت ببطء

ليس هربا

بل لأن البقاء

في مكان يطلب منك أن تكون أقل

هو شكل آخر من الإعدام


لم تخسر ميراف شيئا

لأنها لم تبن نفسها على اعترافهم

لكنها تعلمت

أن بعض البيئات

لا تحتمل الإنسان المتماسك


أما هم

فبقوا كما هم

يبحثون عن شخص جديد

يكسر صمتهم

ليطلقوا عليه

حكما آخر



د.صباح الجهني  

ساحة القتال

  حين يصبح الإيمان ساحةً للقتال كثيرًا ما تفلت منّا دموع الحزن والخوف والأمل. تسقط دون استئذان، في لحظة كنا نظن أننا أقوى منها، وتفضح شي...