يا قلبٍ يحكي أكثر مما يحتمل

من هنا تبدأ الحكاية… ومن هنا تتكامل الأحلام الناقصة بالكتاب. د.صباح الجهني
يا قلبٍ يحكي أكثر مما يحتمل

ميراف
لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح
كانت موجودة فقط
وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان
لم تدخل المشهد لتثبت شيئا
ولم تقف على الأطراف لتتفادى
كانت في المنتصف دون ادعاء
ودون خوف
ودون محاولة لتخفيف وقع حضورها
وجودها لم يكن صاخبا
بل ثقيلا
ثقل الشيء المتماسك
الذي لا يمكن دفعه بسهولة
لم يكن في سجلها خطأ واضح
ولا كذب
ولا التفاف
ومع ذلك
لم يرتحوا لها
الراحة لم تكن مطلوبة
كان المطلوب تفسير
وحين لا يأتي التفسير
يأتي الحكم
قالوا إن في صمتها شيئا مريبا
وإن وضوحها زائد عن الحد
وإن استقلالها لا يشبه النساء
كأن الهدوء إذا لم يطلب الإذن
يصبح تهديدا
لم يحاكموها لأنها أخطأت
بل لأنها لم تضع نفسها في موقع الدفاع
لم تشرح دوافعها
ولم تستعطف الفهم
ولم تمنحهم متعة السيطرة
ميراف لم تكن غامضة
كانت مفهومة أكثر مما يحتملون
والشيء المفهوم حين لا يمكن التحكم به
يصبح عدوا
بدؤوا يعيدون تشكيلها بالكلام
كل جملة قيلت عنها
كانت حجرا صغيرا
يوضع في بناء صورة
لا تشبهها
قالوا إنها متعالية
لأنها لا تنحني
وقالوا إنها باردة
لأنها لا تستنزف نفسها في التبرير
وقالوا إنها ذكية أكثر من اللازم
كأن الذكاء تهمة
إذا لم يكن في خدمة أحد
كانت تسمع
ولا ترد
ليس لأنها عاجزة
بل لأنها أدركت
أن الرد لا يغير الصورة
بل يمنحها حياة أطول
شيئا فشيئا
لم يعد السؤال من تكون ميراف
بل ماذا نفعل بها
حينها فقط
فهمت أن المشكلة
لم تكن في أخلاقها
ولا في سلوكها
بل في كونها غير قابلة للاختزال
المرأة التي لا يمكن تصنيفها
تخيف
لأنها تخرج عن نظام التوقع
وتكسر وهم السيطرة
ميراف لم تدافع
لأن الدفاع يفترض ذنبا
وهي لم ترتكبه
ولأن الصمت أحيانا
ليس ضعفا
بل رفضا للمحاكمة
كانوا بحاجة إلى ذنب
أي ذنب
ليبرروا نفورهم
فاخترعوه
صنعوا منها تصورا
ثم صدقوه
ثم تعاملوا معه
كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة
ومع الوقت
لم يعودوا يرونها
بل يرون النسخة التي صنعوها عنها
وتعاملوا معها
وأدانوا تلك النسخة
وعاقبوها
ميراف لم تسقط
لكنها انسحبت ببطء
ليس هربا
بل لأن البقاء
في مكان يطلب منك أن تكون أقل
هو شكل آخر من الإعدام
لم تخسر ميراف شيئا
لأنها لم تبن نفسها على اعترافهم
لكنها تعلمت
أن بعض البيئات
لا تحتمل الإنسان المتماسك
أما هم
فبقوا كما هم
يبحثون عن شخص جديد
يكسر صمتهم
ليطلقوا عليه
حكما آخر
د.صباح الجهني
الوعظ وستعارة أقنعة الرياء
دخلتُ المسجد مصادفة.
صلاة عابرة، وجلوس قصير بانتظار الخروج.
لم أكن في موقع المتلقي، ولا في نية المحاسبة،لكن بعض الأفكار لا تطلب الإذن.
كان الحديث عن الرياء،ثم انحرفت الجملة قليلًا…
ليس تحذيرًا، بل إعادة تعريف.
قيل إن في الوعظ ما يُسمّى رياءالصالحين،رياء يُستخدم لا للهو…
بل للتأثير.
ولا يُؤاخذ عليه
لأن نتيجته نفع.
هنا لم يعد السؤال أخلاقيًا فقط.
بل معرفيًا….
متى تحوّل الوعظ من شهادة
إلى تقنية؟
ومن صدق
إلى أداة تأثير نفسي؟
الرياء، في جوهره.
ليس خلل صورة.
بل خلل علاقة.
العلاقة بين الإنسان وربه.
وحين يُقال إن هذه العلاقة
يمكن تعليقها مؤقتًا
لأجل مصلحة عامة.
فنحن لا نخفف من الرياء.
بل نؤسس لمنطق
يُجيز فصل القيم عن الأفعال
إذا كان الأثر مقنعًا.
الوعظ في أصله
ليس خطاب إقناع.
بل خطاب التزام.
لا يقوم على أن يُصدَّق.
بل على أن يُصدِق.
وإذا احتاج إلى الرياء ليؤثر.
فالمشكلة ليست في الناس.
بل في الخطاب نفسه.
ثم تساءلت….
هل الواعظ مطالب بأن يكون صادقًا
أم فعّالًا……؟
وهل يمكن الجمع بين الفعالية
وتعليق الإخلاص؟
وإذا قُدِّم التأثير على الصدق.
فما الذي يمنع أن يُعاد تعريف
الصدق نفسه
بوصفه “ما يُقنع” لا “ما يُطابق”؟
الدين لم يشتغل بمنطق
“الغاية تبرر الوسيلة”.
لم يجعل النتيجة معيارًا
لتقويم القصد.
بل جعل القصد
هو الميزان،
ولو خالفته النتائج.
أخطر ما في فكرة
رياء الصالحين في الوعظ
أنها لا تشرعن الرياء فقط.
بل تحوّل الصلاح
من حال باطني
إلى هوية خطابية
ومن صدق
إلى وظيفة.
خرجتُ من المسجد
وأنا أدرك أن الوعظ
قد يفشل في التأثير
لكن فشله الأخلاقي
أفدح من أي ضعف جماهيري.
فالخطاب الديني
إما أن يكون صادقًا
وإما أن يكون مؤثرًا.
لكن حين يختار التأثير
على حساب الصدق.
فهو لم يعد وعظًا…
بل تمثيلًا أخلاقيًا
باسم الخير.
د.صباح الجهني
يا قلبٍ يحكي أكثر مما يحتمل ويُخفي بين نبضاته وجعًا لا يُقال كم مرّةٍ ضحكتَ للناس مطمئنًا وفي داخلك ألفُ حكايةٍ واعتلال تحمل عن غيرك وتنسى...