19 أبريل 2026 — بين السماء والجبال
كان المقعد بجانب النافذة، والسماء ممتدة بلا نهاية… زرقة واسعة تتخللها غيوم بيضاء متفرقة، كأنها جزر هادئة في بحرٍ لا يُرى له شاطئ. كنت في طريقي إلى أعالي الجبال، رحلة كنت أظنها هروبًا قصيرًا من ضجيج الحياة، لكنها بدأت من السماء… وكأنها أرادت أن تعلّمني شيئًا قبل أن أصل.
داخل الطائرة، كان كل شيء مألوفًا: همسات خافتة، ضوء أصفر دافئ، ووجوه غارقة في شاشات صغيرة أو أفكار أكبر منها. لكن وسط هذا الاعتياد، كانت هناك امرأة كسرت كل هذا الهدوء.
كانت تجلس غير بعيد عني.
لم تكن ملامحها لافتة بالمعنى المعتاد، لكنها كانت ثقيلة… ثقيلة بمعنى أنها تحمل شيئًا لا يُرى. جسدها كان نحيلًا على نحو يوحي بأن الحياة أخذت منها أكثر مما أعطت. كتفاها مائلان قليلًا إلى الأمام، كأنهما يحملان سنوات لا تُحمل، وظهرها لم يعد مستقيمًا كما يجب، بل انحنى احترامًا لمرور الزمن.
يدها…
يدها كانت أكثر ما شدّني. أصابعها رفيعة، جلدها رقيق يكاد يكشف عن عروق زرقاء باهتة، وارتجاف خفيف لا يمكن تجاهله. لم يكن ارتجاف ضعفٍ مفاجئ، بل ارتجافًا معتادًا… كأنه أصبح جزءًا منها، كأنه لغة جديدة يتحدث بها جسدها بعد أن نسي لغته الأولى.
كانت تحاول أن ترفع كوب الماء.
ببطء شديد، بحذر يشبه الخوف من أن يخذلها جسدها في أي لحظة. ارتجفت يدها أكثر عندما اقترب الكوب من شفتيها، فاهتز الماء قليلًا، وكأن حتى السكون لم يعد مضمونًا. توقفت للحظة… ثم أعادت المحاولة. لم تغضب، لم تتذمر، فقط استمرت.
في عينيها كان شيء آخر.
لم تكن نظرة تعب فقط… بل نظرة امتلاء. كأنهما شهدتا الكثير: وجوهًا جاءت ورحلت، أماكن تغيّرت، وأيامًا لم تعد كما كانت. كان فيهما هدوء غريب، لكنه ليس راحة، بل هدوء يشبه ما يأتي بعد أن يتعب الإنسان من المقاومة.
توقفت عيناي عندها طويلًا، دون أن أشعر.
وفي داخلي بدأ السؤال يتسلل ببطء:
لماذا يذبل الإنسان هكذا؟
لماذا لا تكون نهايتنا خفيفة… كالأشياء الجميلة التي تنتهي دون هذا الانسحاب البطيء من الحياة؟ لماذا لا نموت كما تذبل وردة… بهدوء، بصمت، بلا هذا الثقل الذي نعيشه ونحن نقترب من النهاية؟
في تلك اللحظة، رسم خيالي وردة.
كانت واقفة في مكانٍ ما، مكتملة الجمال، ثم بدأت رحلتها نحو الذبول. لم تقاوم، لم تسأل، لم تخف. فقط خفّ لونها قليلًا، انحنت أوراقها برفق، ثم تركت الحياة تنسحب منها كما تنسحب موجة من على الشاطئ… دون صوت، دون ألم يُرى.
عدت إليها.
إلى المرأة.
وأدركت شيئًا أربكني أكثر من السؤال نفسه:
الفرق ليس في الذبول… بل في الوعي.
الوردة لا تعرف أنها تذبل. لا تنتظر النهاية، ولا تتخيلها، ولا تخاف منها. أما هذه المرأة، فهي تعيش كل لحظة من هذا الذبول. تشعر به في يدها، في ظهرها، في خطواتها، وربما في قلبها أيضًا.
جسدها يتراجع… لكن داخلها ما زال حاضرًا.
يتذكر… يقارن… ينتبه لكل تغيير صغير.
وهنا، بالضبط، يكمن الوجع.
ليس لأن الجسد يضعف… بل لأن الروح تظل ترى ذلك بوضوح.
اهتزت الطائرة فجأة.
اهتزاز خفيف، لكنه كان كافيًا ليجعل الكوب يميل من يدها. انسكب قليل من الماء على طرف المقعد، فتجمدت للحظة، كأنها خافت أن تكون قد أخطأت. جاءت المضيفة بسرعة، مسحت المكان، وساعدتها برفق.
رفعت المرأة عينيها إليها…
وابتسمت.
كانت ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى، لكنها لم تكن عابرة. لم تكن مجرد شكر، بل كانت شيئًا أعمق… شيئًا يشبه القبول. كأنها تقول: “لا بأس… هكذا أصبحت الأمور.”
تلك الابتسامة تحديدًا بقيت داخلي.
لم تكن جميلة بالشكل المعتاد، لكنها كانت صادقة بطريقة تؤلم.
في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أنظر إلى امرأة فقط… بل إلى نهاية إنسان تُكتب ببطء، أمامي، دون كلمات.
---
وصلت إلى الجبال لاحقًا.
كانت مرتفعة، شامخة، صامتة. الهواء هناك مختلف… أخف، أنقى، وكأنه لا يعرف التعب الذي نحمله نحن. وقفت على حافة مرتفعة، أنظر إلى الامتداد الواسع أمامي، وشعرت أن العالم كله أصبح أصغر من فكرة تدور داخلي.
تذكرتها.
تذكرت يدها، ارتجافها، ابتسامتها.
وتساءلت مرة أخرى، لكن بهدوء هذه المرة:
هل السلام أن نرحل بسرعة… كزهرة؟
أم أن السلام الحقيقي هو أن نصل إلى تلك اللحظة التي ابتسمت فيها؟
لحظة لا نقاوم فيها التغيّر، لا نخاف منه، لا نسأل لماذا… بل نقبله كما هو.
الجبال أمامي كانت ثابتة، لا تتغير بسرعة، لكنها أيضًا تتآكل ببطء عبر الزمن… دون شكوى. ربما كل شيء يذبل بطريقته، لكن الفرق أننا الوحيدون الذين نعرف ذلك.
أغمضت عيني للحظة.
وأدركت أنني لم أعد أتمنى أن أموت كوردة…
بل أن أمتلك، حين يحين الوقت، تلك الابتسامة.
د. صباح الجهني