الجمعة، 6 فبراير 2026

ميراف

 



ميراف


لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح

كانت موجودة فقط

وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان


لم تدخل المشهد لتثبت شيئا

ولم تقف على الأطراف لتتفادى

كانت في المنتصف دون ادعاء

ودون خوف

ودون محاولة لتخفيف وقع حضورها


وجودها لم يكن صاخبا

بل ثقيلا

ثقل الشيء المتماسك

الذي لا يمكن دفعه بسهولة


لم يكن في سجلها خطأ واضح

ولا كذب

ولا التفاف

ومع ذلك

لم يرتحوا لها


الراحة لم تكن مطلوبة

كان المطلوب تفسير

وحين لا يأتي التفسير

يأتي الحكم


قالوا إن في صمتها شيئا مريبا

وإن وضوحها زائد عن الحد

وإن استقلالها لا يشبه النساء

كأن الهدوء إذا لم يطلب الإذن

يصبح تهديدا


لم يحاكموها لأنها أخطأت

بل لأنها لم تضع نفسها في موقع الدفاع

لم تشرح دوافعها

ولم تستعطف الفهم

ولم تمنحهم متعة السيطرة


ميراف لم تكن غامضة

كانت مفهومة أكثر مما يحتملون

والشيء المفهوم حين لا يمكن التحكم به

يصبح عدوا


بدؤوا يعيدون تشكيلها بالكلام

كل جملة قيلت عنها

كانت حجرا صغيرا

يوضع في بناء صورة

لا تشبهها


قالوا إنها متعالية

لأنها لا تنحني

وقالوا إنها باردة

لأنها لا تستنزف نفسها في التبرير

وقالوا إنها ذكية أكثر من اللازم

كأن الذكاء تهمة

إذا لم يكن في خدمة أحد


كانت تسمع

ولا ترد

ليس لأنها عاجزة

بل لأنها أدركت

أن الرد لا يغير الصورة

بل يمنحها حياة أطول


شيئا فشيئا

لم يعد السؤال من تكون ميراف

بل ماذا نفعل بها


حينها فقط

فهمت أن المشكلة

لم تكن في أخلاقها

ولا في سلوكها

بل في كونها غير قابلة للاختزال


المرأة التي لا يمكن تصنيفها

تخيف

لأنها تخرج عن نظام التوقع

وتكسر وهم السيطرة


ميراف لم تدافع

لأن الدفاع يفترض ذنبا

وهي لم ترتكبه

ولأن الصمت أحيانا

ليس ضعفا

بل رفضا للمحاكمة


كانوا بحاجة إلى ذنب

أي ذنب

ليبرروا نفورهم

فاخترعوه


صنعوا منها تصورا

ثم صدقوه

ثم تعاملوا معه

كأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة


ومع الوقت

لم يعودوا يرونها

بل يرون النسخة التي صنعوها عنها

وتعاملوا معها

وأدانوا تلك النسخة

وعاقبوها


ميراف لم تسقط

لكنها انسحبت ببطء

ليس هربا

بل لأن البقاء

في مكان يطلب منك أن تكون أقل

هو شكل آخر من الإعدام


لم تخسر ميراف شيئا

لأنها لم تبن نفسها على اعترافهم

لكنها تعلمت

أن بعض البيئات

لا تحتمل الإنسان المتماسك


أما هم

فبقوا كما هم

يبحثون عن شخص جديد

يكسر صمتهم

ليطلقوا عليه

حكما آخر



د.صباح الجهني  

الاثنين، 2 فبراير 2026

الوعظ واستعارة أقنعة الرياء


 







الوعظ وستعارة أقنعة الرياء


دخلتُ المسجد مصادفة.

صلاة عابرة، وجلوس قصير بانتظار الخروج.

لم أكن في موقع المتلقي، ولا في نية المحاسبة،لكن بعض الأفكار لا تطلب الإذن.

كان الحديث عن الرياء،ثم انحرفت الجملة قليلًا…

ليس تحذيرًا، بل إعادة تعريف.

قيل إن في الوعظ ما يُسمّى رياءالصالحين،رياء يُستخدم لا للهو…

بل للتأثير.

ولا يُؤاخذ عليه

لأن نتيجته نفع.

هنا لم يعد السؤال أخلاقيًا فقط.

بل معرفيًا….

متى تحوّل الوعظ من شهادة

إلى تقنية؟

ومن صدق

إلى أداة تأثير نفسي؟

الرياء، في جوهره.

ليس خلل صورة.

بل خلل علاقة.

العلاقة بين الإنسان وربه.

وحين يُقال إن هذه العلاقة

يمكن تعليقها مؤقتًا

لأجل مصلحة عامة.

فنحن لا نخفف من الرياء.

بل نؤسس لمنطق

يُجيز فصل القيم عن الأفعال

إذا كان الأثر مقنعًا.

الوعظ في أصله

ليس خطاب إقناع.

بل خطاب التزام.

لا يقوم على أن يُصدَّق.

بل على أن يُصدِق.

وإذا احتاج إلى الرياء ليؤثر.

فالمشكلة ليست في الناس.

بل في الخطاب نفسه.

ثم تساءلت….

هل الواعظ مطالب بأن يكون صادقًا

أم فعّالًا……؟

وهل يمكن الجمع بين الفعالية

وتعليق الإخلاص؟

وإذا قُدِّم التأثير على الصدق.

فما الذي يمنع أن يُعاد تعريف

الصدق نفسه

بوصفه “ما يُقنع” لا “ما يُطابق”؟

الدين لم يشتغل بمنطق

“الغاية تبرر الوسيلة”.

لم يجعل النتيجة معيارًا

لتقويم القصد.

بل جعل القصد

هو الميزان،

ولو خالفته النتائج.

أخطر ما في فكرة

رياء الصالحين في الوعظ

أنها لا تشرعن الرياء فقط.

بل تحوّل الصلاح

من حال باطني

إلى هوية خطابية

ومن صدق

إلى وظيفة.

خرجتُ من المسجد

وأنا أدرك أن الوعظ

قد يفشل في التأثير

لكن فشله الأخلاقي

أفدح من أي ضعف جماهيري.

فالخطاب الديني

إما أن يكون صادقًا

وإما أن يكون مؤثرًا.

لكن حين يختار التأثير

على حساب الصدق.

فهو لم يعد وعظًا…

بل تمثيلًا أخلاقيًا

باسم الخير.


د.صباح الجهني 


ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...