الأحد، 21 سبتمبر 2025

حين يصبح الخذلان معلمً

 







حين يصبح الخذلان معلمً


في قرية بعيدة، كانت هناك امرأة تُشعل قناديل صغيرة كل مساء، وتضعها على عتبات البيوت. لم تكن تريد شيئًا سوى أن يظل الدرب مضاءً للجميع، أن يجدوا في ليلهم الطويل بصيص أمان. كانت تذهب من بيت إلى آخر، يديها ممتلئتان بالزيت والنور، قلبها يفيض بالنية الطيبة.


مرت الأيام، وكبر في داخلها يقين بأن القناديل ستجعلهم يشعرون بها، بأنهم في ليلةٍ ما سيشعلون قنديلًا من أجلها. لكنها في مساء بارد، بينما كانت تنحني لتضيء آخر فتيل، رفعت رأسها فلم تجد أحدًا. لم يكن هناك وجهٌ يبتسم، ولا يدٌ تمتد لتشاركها، ولا كلمة تَقول “شكراً”. فقط صمت القرية يحدّق فيها، صمت يشبه حجارة تُثقل صدرها.


تساءلت: أيكون النور الذي أهديته لهم قد جعلني غير مرئية؟ أيكون حضوري الدائم هو ما جعلهم يظنون أن القناديل تُشعل نفسها؟ كان الخذلان أبطأ من أن يُدرك في لحظته، لكنه أعمق من أن يُنسى.


في تلك الليلة، شعرت المرأة أنها وحيدة، كأنها آخر مسافرة في أرضٍ هجرتها الأرواح. جلست قرب قنديلٍ لم يكتمل زيته، تحدّثت معه بصوتٍ خافت: “أنا متعبة… كل هذا الضوء الذي أُعطيه لم يُضيء داخلي. كنت أحتاج أن يضيء أحدهم لي، مرة واحدة فقط.”


القنديل ظل يشتعل بهدوء، كأنه يُصغي لها. وفي لحظة غريبة، أدركت أن النور ليس من الزيت وحده، بل من قلبها الذي يُصرّ أن يظل حيًّا رغم كل ما أطفأه الآخرون.


نهضت من جديد، لكن هذه المرة حملت قنديلًا صغيرًا مختلفًا، خبأته قرب صدرها، نورٌ لا يراه أحد سواها. قالت لنفسها: “لن أُطفئ القناديل عنهم، لكنني لن أنسى أن أضيء لي أنا أيضًا. فإن كان حضوري لا يُرى، فغيابي لن يُعاش.”


، ظلت القرية كما هي، قناديلها مضاءة، وليلها أقل قسوة. لكن المرأة لم تعد تنتظر أحدًا. صارت تعرف أن أكثر الأمان صدقًا هو ما نصنعه لأنفسنا، وأن الخذلان مهما ثقل، لا يملك القدرة على قتل قلبٍ يعرف كيف يولد من جديد.


ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المرأة تطرق أبواب التوقع، ولم تعد تنتظر من يمد يده ليضيء لها الطريق. عرفت أن الانتظار باب واسع للخذلان، وأن الاعتماد على الآخرين خيط رقيق ينقطع عند أول ريح.


ومنذ ذلك القسم، لم تعد الوحدة تخيفها، ولم يعد الخذلان يجرحها بالطريقة نفسها. لقد تحوّل قلبها من قنديل هش إلى شمس صغيرة، لا تنتظر من يشعلها، بل تشرق كل صباح رغم كل شيء



د. صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...