نور
هذه المرأة لا تنهار دفعة واحدة.الانهيار رفاهية لا تملكها.
هي تُكسَر على مراحل، ببطء، بحرفية عالية، حتى لا يلاحظ أحد.
لا أحد يصرخ في وجهها طوال الوقت
لا أحد يضربها
لا أحد يمنعها بالقوة من الخروج
لذلك لا تُعدّ ضحية في أي سجلّ.
لكن ما يحدث لها أخطر من العنف المباشر
لأنه عنف منضبط، هادئ، يومي، وقابل للتبرير أخلاقيً
نور …
لم يكن في بيت نور أقفال. الأبواب تُفتح بسهولة. والنوافذ بلا حديد
لكنها كانت تعرف، منذ سنوات، أنها لا تخرج. لم تتذكّر متى حدث ذلك بالضبط.
لم يكن قرارًا واضحًا
ولا لحظة درامية.
كان انسحابًا تدريجيًا
خطوة إلى الخلف كل يوم
حتى اختفت من المشهد
وبقيت تؤدي الدور.
تستيقظ نور قبل الجميع.
ليس لأنها نشيطة
بل لأن الصمت قبل استيقاظ البيت
هو اللحظة الوحيدة التي لا يُطلب منها فيها شيء.
تنهض بهدوء
كأنها تخشى إيقاظ نفسها.
تمشي إلى المطبخ
تفتح الضوء
فتشعر أن النهار بدأ
حتى لو لم ترَ الشمس.
تُعدّ الإفطار
وتُصفّ الصحون
وتغسل ما لم يُستخدم بعد
كأن النظافة فعل وقائي
يمنع الفوضى
ويمنع الأسئلة.
حين يستيقظ الأطفال
يتغيّر إيقاع البيت
وتتحول نور إلى آلة دقيقة.
تعرف متى تبتسم
ومتى تصمت
ومتى ترفع صوتها
دون أن يتجاوز الحد المقبول.
تحمل
تشرح
تكرر
وتبتلع ضيقًا خفيفًا
يتراكم في صدرها
ولا يخرج.
كان جسدها يعرف الوقت أكثر من الساعة.
الظهر ألم
والرقبة شدّ
والظهر السفلي إنذار
لكنها اعتادت.
لا أحد يمنع نور من الخروج.
لم يقل لها أحد: ابقي.
لكن كل شيء يقول لها: ليس الآن.
ليس الآن لأن الأطفال صغار
ليس الآن لأن البيت يحتاج
ليس الآن لأن الخروج يتطلب طاقة
وهي استهلكتها كلها في البقاء.
كانت ترى الشارع من النافذة.
ناس يمرّون
نساء يمشين بلا استعجال
رجال يحملون أكياسًا لا تخصّها
تشعر أحيانًا أن العالم يتحرك
وهي الصورة الثابتة.
تجلس أحيانًا على الأريكة
لكن الجلوس ليس راحة
هو انتظار.
انتظار صوت
طلب
سؤال
شيء ينقص.
حين تنظر في المرآة
ترى امرأة مرتبة
نظيفة
هادئة
لكنها لا ترى نور.
ترى شخصًا يؤدي حياة
لا يعيشها.
في المساء
حين يهدأ البيت
تشعر بثقل اليوم دفعة واحدة
كأن جسدها كان يؤجل الإحساس
حتى يسمح له الوقت.
تستلقي
لكن النوم لا يأتي بسهولة.
الأفكار لا تعرف كيف تخرج
والأحلام القديمة
تبدو كقصص لا تخصّها.
أحيانًا
تفكّر:
لو خرجت الآن
إلى أين سأذهب؟
لا جواب.
ليس لأنها لا تملك مكانًا
بل لأنها نسيت
كيف يكون الخروج بلا سبب.
نور لم تكن ضعيفة.
كانت متعبة.
ولم تكن سجينة
لكنها عاشت طويلًا
كأنها كذلك.
وفي أحد الأيام
لم يحدث شيء كبير.
لا صراخ
ولا قرار
ولا ثورة.
فقط
وقفت أمام الباب
وأمسكت المقبض
وشعرت بشيء يشبه الخوف
وشيء يشبه الأمل
وشيء ثالث
لم تعرف اسمه بعد.
فتحت الباب
خطوة واحدة
ثم توقفت.
لم تخرج.
لكنها في تلك اللحظة
عرفت
أن السجن لم يكن البيت
بل الفكرة
وأن النور
قد يبدأ
قبل أن تخطو قدمك خارجه.
د. صباح الجهني

