اليأس الحقيقي…
ليس دمعة، ولا انهيارًا علنيًّا.
إنه ذلك الفراغ الأسود الذي يستيقظ معكِ كل صباح.
ويجلس على صدرك مثل ثقلٍ لا يزول.
هو أن تفتحي عينيك ولا تجدين سببًا واحدًا يجعل هذا اليوم مختلفًا عن الذي قبله.
أن تشعري أن العالم يتحرك… وأنتِ ثابتة.
كأنكِ محشورة على هامش الحياة.
تشاهدين كل شيء يمرّ بجانبك.
دون أن يلمسكِ شيء… ولو قليلًا.
اليأس هو أن تتوقف روحك عن السؤال.
عن الرجاء.
عن التوقع.
عن الأمل.
تصبحين مثل حجرٍ ألقي على قارعة الطريق.
لا ينكسر، لكنه أيضًا… لا يعيش.
كل ما كان يلمع داخلك ينطفئ.
وكل ما كنتِ تحبينه يصبح بلا طعم.
وكل الوجوه التي كانت تعني شيئًا
تصبح ظلالًا رمادية لا فرق بينها.
أما الخذلان…
فهو القسوة التي لا تأتي من الأعداء.
بل من الذين فتحتِ لهم أبوابك… وسمحتِ لهم بالدخول.
من الذين قلتِ لهم أسرارك…
والذين عرفتِهم على جراحك…
والذين وثقتِ أنهم سيحملونك لا يسقطونك.
ثم فجأة، ودون مقدمات.
يتحولون إلى مقصلة.
يضربونك في أكثر أماكنك ضعفًا.
ويغادرون دون أن يلتفتوا خلفهم.
كأنكِ لم تكوني يومًا شيئًا يستحق البقاء.
الخذلان يجعل صوتك الداخلي قاسيًا عليك.
“أنتِ السبب…
أنتِ التي عرفتي الحقيقة متأخرة…
أنتِ التي منحتِ قلبك لمن لا يعرف قيمة القلوب.
وتصبحين مشكّكة في كل شيء.
في نيتك…
في قيمتك…
في قدرتك على الحكم…
في قدرتك على التمييز…
في قدرتك حتى على أن تُحَبّي يومًا من جديد.
القسوة العظمى ليست في فقد الآخرين…
بل في فقد احترامك لنفسك لحظة اكتشفتِ كم كنتِ طيبة.
ساذجة.
صادقة في عالمٍ يقتات على الخداع.
تجلسين مع نفسك في الليل.
لا بكاء… ولا صراخ…
فقد احترق كل ذلك من الداخل.
يخيم عليك صمت ثقيل.
صمت من النوع الذي يقتل أكثر مما يواسي.
وتشعرين أنكِ أصبحتِ غريبة حتى عن نفسك.
كأن شخصًا آخر يسكن جسدك.
وأنتِ فقط تتفرجين من بعيد.
وتصلين لمرحلة لا تريدين فيها شيئًا.
لا حبًا
لا صداقة
لا قربًا
ولا تبريرًا.
فقد تعلّمتِ الدرس الأقسى
ليس كل سقوط يحتاج منقذًا…
بعض السقوط يجب أن تعيشيه وحدك
حتى تنفضي من قلبك آخر أثرٍ لمن خذلك
ومع هذا…
يبقى في داخلك شيء صغير
ضيّق، لكنه عنيد
يقول لك:
سأنهض…
ولكن بعد أن أنتهي من دفن كل ما آذاني….
د.صباح الجهني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق