الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

نهاية عام لا يشبه ما قبله ✦





كان هذا العام طويلًا بما يكفي ليختبر صبري.

ويُظهر لي كل أبواب الظنّ التي طرقها الحزن في قلبي.

سقطتُ فيه مرات، خذلني البعض، تغيّر البعض.

وانفضّت أشياء كنت أظنها ثابتة مثل الجبال .

ظننت أحيانًا أنّ الانكسار قد يحطم ما بقي منّي.

لكنني اكتشفت في منتصف الطريق

أن الداخل أقوى من كل ما حاول الخارج أن يهدمه.

تعلّمت أن اليأس ليس بكاءً عاليًا.

بل ذلك الفراغ الذي يسكن الروح مثل غرفة بلا نافذة…

وأن الخذلان ليس سهمًا من عدو..

بل خطوة هادئة من أقرب قلب ظننتُ أنه سيبقى.

عرفت معنى أن يمرّ العام على صدري مثل حجرٍ ثقيل.

لكنني عرفت أيضًا كيف أتنفس تحته

حتى لا أموت داخله.

لم تعد الأيام القاسية تخيفني.

لقد مررت بما يكفي لأعرف أن الظلام مرحلة وليس نهاية.

وأن الغرق لا يعني الموت دائمًا…

أحيانًا يعني أننا نتعلّم كيف نسبح من جديد.

اليوم، وأنا عند حافة آخر يوم من السنة.

لا أشعر أنني أودّع عامًا واحدًا.

بل أدفن جروحًا كثيرة كنت أحملها بصمت.

أدفن الكلمات التي لم تُقال.

والأبواب التي طرقتها ولم تُفتح.

والأمان الذي ظننت أنه بيت… ثم اكتشفت أنه جدار.

أترك خلفي خوفًا قديمًا.

وتردّدًا كان يربطني إلى مكانٍ لا يشبهني.

وأُسلّم للأيام القادمة نفسي خفيفة،

كمن قرر أخيرًا أن لا يحمل على ظهره ماضيًا.

لا يساعده على العبور.

أما العام الجديد، فهو ليس وعدًا بالفرح.

ولا ورقة بيضاء بلا أثر.

هو امتداد روحي… لكن بنسخة أصلب.

أهدى، أعمق.

امرأة تعرّفت على نفسها في لحظات الانكسار.

ولم تعد تخشى أن تبدأ من أول السطر.

سأدخل عامي القادم وأنا أكثر وعيًا بمن يستحق البقاء.

أكثر لطفًا مع نفسي.

وأكثر وفاءً لقلبي الذي نجا كثيرًا ولم يطلب شيئًا.

سأحمل أمنياتي بلا استعجال.

كزهرة تنمو ببطء لأنها تعرف أن العجلة تقتل الجمال.

لن أطالب العام القادم بأن يعوّضني،

بل سأطالب نفسي أن أعيش بكامل ما بقي من الضوء في داخلي.

أن أفتح النوافذ مهما اشتدّ الشتاء.

أن أؤمن بأن الله لا يخذل قلبًا صبر كثيرًا.

وأن الصعود يبدأ دائمًا من أبعد نقطة في السقوط.

هذا العام لن ينتهي…

أنا التي ستنتهي من الوجع.

وتبدأ من الحياة.

يسعدني أنه لامسكِ.

تشبه بداية الصفحة لا نهايتها 

خاتمة تحمل الضوء بوضوح أكبر.

…ولهذا، لن أخرج من هذا العام كما دخلته.

سأغادره بطبقة من الحكمة.

وبقلبٍ تعلم كيف يرمّم نفسه دون أن يبحث عن يدٍ تُنقذه.

فالوجع الذي مرّ لم يأتِ ليمكث.

بل جاء ليُضيء الطريق ويُظهر ما كنت أستحقّه دائمًا ولم أعرفه.

أما العام الجديد.

فأستقبله كنافذة مفتوحة على صباحٍ ناعم.

أضع قدمي فيه وأنا أعرف أن الخير ليس وعدًا مؤجلًا.

بل شيء يبدأ من داخلي كلما آمنتُ به.

سأدخل الأيام القادمة بابتسامة لا تحدّها الندوب.

بطموح يمشي بثبات.

وبحلمٍ يكبر بهدوء كزرعٍ يعرف أن المطر سيأتي ولو تأخر.

لن أرتجي الأعوام أن تهديني الفرح،

سأصنعه بيدي.

ولن أطلب أن تتغير الدنيا من أجلي،

سأتغير أنا بما يكفي لأخلق لنفسي مكانًا في الضوء.

فالذي نجا من العتمة لا يخاف الطريق.

والتي عبرت الألم تستطيع الآن أن تُزهر.

أؤمن أن القادم أجمل 

لأنه يحملني لا كما كنت.

بل كما أصبحت.


د.صباح الجهني ♥️

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

الخوف الذي يعبر أرواحنا

 








حين يختلط الخوف بكل شيء… حتى بالضحك

أفكّر كثيرًا في هذا الشيء الذي صار يسكننا جميعًا بصمت…

الخوف.

ليس خوفًا واحدًا، ولا معنى واحدًا، بل شبكة كاملة من الارتعاشات الخفية التي تتوزع داخل الروح…

تتنفس معنا، تتنقل من زاوية لأخرى، تُشعل شيئًا هنا، وتنطفئ هناك، ثم تعود.

حتى الضحك—ذلك الفعل البسيط الذي كان يومًا صافيًا—صار مشحونًا بالخوف.

نضحك فنرتجف.

نفرح فنلتفت حولنا.

نبتسم فنهمس دون أن نقولها علنًا….

“اللهم استر.”

وكأن الخوف بات جزءًا من الفرح

وظلًا ملتصقًا بالضحكة

وجرس إنذارٍ يرنّ حين يرتفع صوت سعادتنا قليلًا.

لم أعد أستغرب هذا الارتباط الغريب…

فالروح التي تذوقت الخسارة مرة،تصير أكثر حذرًا من اللذة.

والقلب الذي أحب كثيرًا… يخاف كثيرًا.

والإنسان الذي عاش شيئًا لم يكن مستعدًا لحدوثه… تتغير طريقة ضحكه إلى الأبد.

الخوفُ لم يعد ردّة فعل… بل صار أسلوب عيش أحيانًا أشعر أن الخوف هو الهواء الذي نتنفسه دون أن ندري.

نخاف ونحن نضحك

ونخاف ونحن نحب

ونخاف ونحن نخطو خطوة نحو المستقبل.

ونخاف حتى ونحن نصلّي ونطلب الأمان.

خوفٌ شفيف، يومي، غير مرئي…

لكن أثره واضح في كل حركة:

نضحك ثم نتوقف فجأة……!!!!

كأننا نخشى أن يسمعنا القدر فيشكل ضدّنا مكيدة.

نفرح بخبر…..

ثم نفرمل حماسنا خشية أن يكون “كاملًا أكثر من اللازم”

فنخشى أن نفقده كما فقدنا ما قبله.

نمسك أيدي أطفالنا

وفي الخلف… صوت صغير يحذرنا من شيء لا نعرفه.

ننجح

فنضحك بحذر.

كأن النجاح نعمةٌ يجب أن تختبئ كي لا تُحسد، كي لا تُنزع.

حتى الحب…

حين يقترب منا، ترتعش أرواحنا قبل قلوبنا.

ليس لأن الحب مخيف.

بل لأن الفقد الذي يأتي بعده—إن جاء—قاتل.

لماذا نصير خائفين من السعادة؟

لأننا ذقنا شيئًا ما في الماضي…

جرحًا، خسارة، صفعة، تحوّلًا، ورقة طارت فجأة من يد القدر.

ولأن الروح بطبيعتها تحفظ الألم أكثر مما تحفظ الفرح.

تبقى الذاكرة تحرس القلب

تخيفيه.

تقوده.

تمنعه من الاندفاع.

نضحك اليوم…

فتتذكر الروح ضحكةً في الماضي سبقتها كارثة.

فتقول لنفسها: “احذري، ليس كل ضحك آمنًا.”

ولأننا نكبر…

نتعلم أننا لسنا محصّنين.

نفهم أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا.

ندرك أن السعادة ليست وعدًا، بل زيارة.

ولأنها زيارة… نخاف أن ترحل سريعًا

الخوفُ ليس دائمًا نقصًا… أحيانًا هو وعي

الخوف يعلمنا الحذر.

يعلمنا كيف نضع الأشياء في مكانها الصحيح.

يعلمنا ألا نبالغ في التعلق

ولا نرهن حياتنا لفكرة أو شخص أو حلم.

الخوف يقول لنا. اضحك… لكن لا تبنِ عمرك كله على لحظة. 

أحبّ… لكن احتفظ بقلبك قليلًا لنفسك.

احلم… لكن لا تنسَ الأرض التي تقف عليها.

تمسّك… لكن لا تنكسر عندما يفلت كل شيء.

الخوف هو المناعة العاطفية التي نكتسبها بعد التجارب

ليس ليطفئ الحياة…

بل ليحميها.

لكن الخوف، حين يزداد…

 يختنق القلب هناك خوفٌ جميل…

يجعلنا أكثر وعيًا.

وهناك خوفٌ خانق…

يجعلنا نخجل حتى من الضحك.

نغلق باب السعادة قبل أن تقترب،

كأننا نقول لها…

“ليس الآن… لست مستعدة… أخاف من بعدك.”

ونؤجل الفرح،

ونخنق الحلم.

ونخفف خطواتنا.

ونعيش نصف حياة…

لأننا نخاف من الجانب الآخر.

لكن الحقيقة القاسية هي

القدر لا ينتظر ضحكتنا ليقرر ما يأخذ وما يعطي.

الخسارة لا تأتي لأننا فرحنا.

والألم لا يأتي عقوبةً لضحكة.

والحياة ليست دفتر حساب.

نحن لا نخاف من الضحك… نحن نخاف من الفقد

نخاف أن نفقد شخصًا نحبّه فجأة.

نخاف أن يختفي الأمان من تحت أقدامنا.

نخاف أن يتغير ما نعرفه.

نخاف أن تنتهي اللحظة الجميلة بسرعة.

نخاف أن يتكرر ألم قديم.

هذا هو جوهر المسألة…..

سعادتنا مرتبطة بقلوبنا.

وقلوبنا مرتبطة بكل ما يمكن أن نفقده.

كيف نصالح خوفنا دون أن نتخلى عن الفرح؟

أن نضحك كاملة… ولو خفنا.

أن نفرح كاملة… ولو ارتجف القلب بعدها.

أن نسمح للحياة بأن تمرّ من خلالنا بلا مقاومة.

أن نؤمن أن القدر لا يعاقب

ولا ينتظر خطأ صغيرًا ليأخذ منا شيئًا كبيرًا.

أن نفهم أن السعادة ليست ذنبًا

وأن الفرح لا يستدعي الألم.

وأن الضحكة لا تُنقص الرزق.

ولا تهزّ الأقدار.

ولا تحرّض المفاجآت.


وأكتب لنفسي… وللقلب الذي يخاف ويحب في الوقت نفسه

اضحكي. حتى لو ارتجفتِ.

حتى لو شعرتِ بوخزة خوف خلف السعادة.

اضحكي… لأن الضحكة ليست وعدًا بالخسارة.

بل شهادة على أنكِ ما زلتِ حية.

ما زلتِ قادرة.

ما زلتِ تتنفّسين رغم كل ما مرّ عليكِ.

اضحكي…

فالسعادة ليست دائمًا طويلة.

لكنها دائمًا تستحق أن تُعاش..

والخوف؟

دعيه يجلس في الخلف…

ولا تدعيه يقود.


…….



د.صباح الجهني


ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...