الأحد، 5 أبريل 2026

جسر القرار

 




الأمنية" و"الواقع".. جسر اسمه القرار

نعيش كثيرًا داخل ما نتمناه

نمنح أحلامنا مساحة واسعة في خيالنا

نراها واضحة

نلمس تفاصيلها

ونشعر أحيانًا أنها أقرب مما هي عليه

لكننا حين نعود إلى الواقع

نكتشف أن المسافة لا تزال كما هي

أن الأمنيات، رغم جمالها

تبقى معلّقة

لا تنزل إلى الأرض

إلا إذا حملها قرار

بين الأمنية والواقع

لا يقف الوقت وحده

ولا الظروف وحدها

بل يقف ذلك التردد الخفي

الذي يؤجل كل شيء

ويقنعنا أن “غدًا” وقت أفضل

وأننا “لاحقًا” سنكون أكثر استعدادًا

لكن “غدًا”

نادراً ما يأتي بالشكل الذي ننتظره

والاستعداد الكامل

وهم نختبئ خلفه

لنبرر بقاءنا في أماكن لم نعد ننتمي إليها

الحقيقة التي لا نحب مواجهتها

أن التغيير لا يحدث لأننا نتمنى

ولا لأننا تعبنا من الوضع الحالي

بل يحدث فقط

حين نقرر أن التعب من المحاولة

أهون من تعب البقاء

القرار ليس لحظة حماس

ولا اندفاعًا عابرًا

القرار الحقيقي هادئ

يولد في الداخل

بعد صراع طويل

بعد أسئلة كثيرة

وبعد إدراك عميق

أنك إن لم تتحرك الآن

فستبقى تدور في نفس الدائرة

وعندما يُتخذ القرار

لا تتغير الحياة فجأة

لا تختفي الصعوبات

ولا يصبح الطريق مفروشًا بالراحة

بل على العكس

تبدأ المواجهة الحقيقية

مع نفسك أولًا

مع كسلها

مع خوفها

مع كل صوت داخلي

يحاول أن يعيدك إلى ما اعتدت عليه

في تلك اللحظات

لا تحتاج إلى دافع كبير

ولا إلى كلمات ملهمة

بل تحتاج إلى شيء أبسط

وأصعب في الوقت نفسه

الاستمرار

أن تخطو

حتى وأنت متعب

أن تكمل

حتى وأنت غير متأكد

أن تثبت

حتى حين لا ترى نتيجة

لأن الوصول

لا يُبنى باللحظات الكبيرة

بل يتشكل من قرارات صغيرة متكررة

تقول فيها لنفسك كل يوم:

لن أتراجع

ومع الوقت

تبدأ أشياء خفية بالتغير

نظرتك لنفسك

قدرتك على التحمل

طريقتك في التعامل مع الخوف

تدرك أن القوة

لم تكن شيئًا تملكه من البداية

بل شيئًا بنيته

في كل مرة رفضت فيها الاستسلام

وهنا فقط

يبدأ الفرق بالظهور

ليس لأن الطريق أصبح أسهل

بل لأنك أصبحت أقوى

ولأنك لم تعد ذلك الشخص

الذي ينتظر الفرصة

بل الذي يصنعها

وفي النهاية

لن يكون أهم ما حققته

هو ما وصلت إليه

بل من أصبحت عليه في الطريق

ذلك الشخص

الذي لم يعد يرضى بالعادي

الذي لم يعد يؤجل نفسه

والذي أدرك أن الأمنية

ليست بداية الطريق

بل القرار


د/صباح الجهني 

جسر القرار

  الأمنية" و"الواقع".. جسر اسمه القرار نعيش كثيرًا داخل ما نتمناه نمنح أحلامنا مساحة واسعة في خيالنا نراها واضحة نلمس تفاصيله...