الثلاثاء، 5 مايو 2026

ما تبقى منا





 لا شيء يعود كما كان

ولا أحد يخرج من الخذلان كما دخل

كأن القلوب بعد كل صدمة

تعيد تشكيل نفسها بصمت

وتخفي شقوقها خلف ملامح تبدو عادية


الرحمة لا تمحو قسوة القريب

لا تزيل الكلمات التي قيلت في لحظة جفاء

ولا تمسح ذلك الشعور الثقيل

حين تدرك أن من ظننته أمانًا

كان أقرب إلى اختبار قاسٍ

هي فقط تخفف حدّة الذكرى

تجعلها أقل اشتعالًا

لكنها لا تلغيها أبدًا


نغفر أحيانًا

ليس لأنهم يستحقون

بل لأننا تعبنا من حمل الحكاية ذاتها

تعبنا من إعادة المشهد في رؤوسنا

من السؤال الذي لا إجابة له

لماذا


نتعلم أن نضع مسافة

أن نحب دون أن نذوب

أن نقترب دون أن نفقد أنفسنا

أن نختار من يستحق البقاء

ومن يكفيه أن يكون ذكرى


والقهوة

ذلك الطقس الصغير الذي نظنه خلاصًا

لا يعيد من رحل

ولا يملأ الفراغ الذي تركه أحدهم خلفه

لكنها تمنحنا لحظة هدنة

لحظة نجلس فيها مع أنفسنا

دون أن ننهار تمامًا


نرتشفها ببطء

كأننا نحاول أن نمدّ الوقت

أن نؤجل الاعتراف بأن الغياب صار حقيقة

وأن بعض الأماكن في القلب

لن يسكنها أحد بعد اليوم


نتظاهر بالقوة

نضحك في الوقت المناسب

نجيب حين يُسأل عنا نحن بخير

لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير

الحقيقة أن هناك شيئًا ما في الداخل

انطفأ بهدوء

دون ضجيج

دون أن يلاحظه أحد


أما الحياة

فليست كما وعدتنا أحلامنا الأولى

ليست عادلة دائمًا

ولا تسير وفق ما خططنا له بعناية

هي تمضي بطريقتها الخاصة

وتضعنا في مواقف لم نخترها

وتجبرنا أن نتعلّم دروسًا

لم نكن مستعدين لها


تعطي ثم تأخذ

تقرب ثم تبعد

تفتح بابًا لتغلق آخر

وكأنها تذكّرنا باستمرار

أن الثبات وهم

وأن التعلّق الزائد

ثمنه دائمًا باهظ


نكتشف متأخرين

أننا لن نحصل على كل ما نحب

وأن بعض الأمنيات

خُلقت فقط لتبقى في الخيال

لا لتتحقق


لكننا رغم كل ذلك

لا نتوقف عن المحاولة

لا نتوقف عن الحلم

حتى وإن خفّ وهجه


نتعلم أن نعيش بما تبقى

أن نلتقط الأشياء الصغيرة

التي ما زالت تمنحنا شعورًا خفيفًا بالحياة

أن نصنع من التفاصيل البسيطة

سببًا للاستمرار


نتعلم أن القوة ليست في عدم الانكسار

بل في أن ننهض كل مرة

بقلوب أقل ثقة نعم

لكن بعقول أكثر وعيًا

وبأرواح تعرف جيدًا

أين تضع نفسها هذه المرة


وفي النهاية

لا نعود كما كنا

لكننا لا نبقى كما كنا نخاف

نصبح نسخة أخرى

أكثر هدوءًا

أقل اندفاعًا

وأشد إدراكًا

أن الحياة لا تمنحنا ما نحب دائمًا

لكنها تمنحنا فرصة

أن نصبح أشخاصًا

لم نتخيل يومًا أننا سنكون هم


د. صباح الجهني 


ما تبقى منا

 لا شيء يعود كما كان ولا أحد يخرج من الخذلان كما دخل كأن القلوب بعد كل صدمة تعيد تشكيل نفسها بصمت وتخفي شقوقها خلف ملامح تبدو عادية الرحمة ل...