الخميس، 22 يناير 2026

جلدٌ لا يقلق قصة قصيرة فلسفية






في مساءٍ ثقيل الرطوبة

حين كانت الشمس تنسحب ببطء خلف الأشجار الملتفة حول النهر

وقف الرجل وحده.

لم يكن يعرف لماذا جاء إلى هنا تحديدًا.

لكنه كان يشعر أن المدينة لفظته مؤقتًا

أو أنه هو من لفظها.


كان بحاجة إلى مكان لا يسأله شيئًا


الماء أمامه داكن.

ساكن في الظاهر.

لكنه يتحرك في الأعماق بحساب دقيق.

وعلى الضفة المقابلة.

كان التمساح ممددًا.

جسد طويل صامت.

لا يبدو حيًا ولا ميتًا.

كأن الزمن مر به ثم نسي أن يأخذه معه.

توقف الرجل طويلًا .

في البداية ظنه جذع شجرة .

ثم أدرك الحقيقة .

ولم يخف .

قال في داخله .

كم عشت .

وسرعان ما ابتسم لسؤاله .

التمساح لا يعرف معنى العمر

ولا يقيسه .

هو فقط يستمر.

كان جلده خشنًا.

متراكبًا.

طبقات فوق طبقات.

كأن كل حقبة من حقب الأرض مرت عليه وتركت أثرها ثم مضت.

لم يكن جلدًا للحماية فقط.

بل ذاكرة صامتة.

ذاكرة لا تروي شيئًا.

ولا تحتاج إلى أن تُروى.

اقترب الرجل خطوة.

فشعر بأن جسده كله عار.

لا لأن الهواء لامسه.

بل لأن كل ما كان يتكئ عليه داخله انزاح دفعة واحدة.

لم يكن عريًا جسديًا.

بل انكشافًا أعمق.

كأن القشرة التي صنعها طوال عمره سقطت فجأة.

لم يولد بلا جلد.

لكنه لم يولد أيضًا بالجلد الذي يحتاجه ليواجه العالم.

تذكر كم مرة حاول أن يصنع لنفسه درعًا.

في البداية كان بسيطًا هشًا.

وظيفة يعتقد أنها ستحميه من الخوف

فإذا بها تحميه من الجوع فقط.

ثم أضاف طبقة أخرى.

لقب

اسمه مسبوق بتعريف ما كأن الحروف قادرة على تثبيت وجوده.

كان اللقب يبدو صلبًا من الخارج

لكنه يتشقق كلما تغير المكان أو تبدل المزاج العام.

بنى مدينة حول نفسه.

شوارع مألوفة.

مقاهٍ يعرف روادها.

مواعيد ثابتة.

ووجوه تتكرر.

ظن أن الاعتياد جلد.

لكنه اكتشف لاحقًا أن المدينة لا تقي من الوحدة.

بل قد تجملها فقط.

ثم لجأ إلى الأفكار.

آمن ببعضها بإخلاص.

وتعلق ببعضها بدافع الحاجة لا اليقين

غير قناعاته أكثر من مرة.

لا خيانة للحقيقة.

بل بحثًا عن طمأنينة مؤقتة.

كان الإيمان حينها معطفًا يلبس في الشتاء.

وحين يشتد البرد.

لا يكفي…..

وكلما ظن أنه أكمل درعه.

جاءت خيبة واحدة كافية لتكشف هشاشته.

كأن العالم كان يذكره في كل مرة

أن ما يصنع على عجل.

لا يصمد طويلًا.

رفع التمساح رأسه ببطء.

حركة محسوبة.

بلا استعجال.

بلا تهديد.

عين نصف مفتوحة.

كأنها ترى الرجل ولا تعنيه.

في تلك اللحظة.

شعر الرجل بثقل السؤال الحقيقي

هل البقاء يحتاج كل هذا القلق.

لقد علمه العالم أن الإنسان سيد الطبيعة.

لكن لم يخبره أحد عن ثمن السيادة

السيطرة التي تبدأ بالحلم.

وتنتهي بالاستنزاف.

العقل الذي أنقذ الإنسان من الوحوش.

ثم صار هو الوحش حين فقد حدوده

جلس الرجل على الأرض.

لأول مرة منذ زمن طويل.

لم يكن يفكر في الغد.

لم يحاول أن يفسر وجوده.

اكتفى بأن يكون هناك.

فهم فجأة أن التمساح لا يعيش بلا معن

بل يعيش بلا سؤال….؟!

وأن السؤال رغم نُبله.

قد يتحول إلى عبء.

حين يصير قلقًا دائمًا.

قال بصوت خافت.

كمن يحدث نفسه.

نحن نريد أكثر مما تحتمل الأرض.

لم يرد التمساح.

لم يكن بحاجة إلى الرد.

كان وجوده نفسه إجابة.

لكنه وهو يهم بالرحيل.

توقف فجأة.

شعر أن في المقارنة خللًا خفيًا.

كأنها سهلة أكثر مما ينبغي.

ليس من العدل أن يقاس الإنسان بتمساح….

التمساح لم يمنح ما منح الإنسان

لم يثقل بوعي يعرف نهايته….

ولا بحب يخاف عليه.

ولا بذاكرة تمتلئ بالندم والأسئلة

أما الإنسان .

فهو الكائن الوحيد.

الذي يدفع ثمن وعيه كاملًا.

يخطئ لأنه يجرب.

وينهار لأنه يحب.

ويبني لأنه لا يحتمل الفراغ.

فهم الرجل أن المسألة ليست في أن نكون مثل التمساح.

بل في أن نتعلم منه دون أن نظلمه.

ودون أن نهين ما فينا من إنسانية.

حين بدأ الظلام يهبط.

انزلق التمساح إلى الماء.

تاركًا تموجًا خفيفًا.

سرعان ما اختفى.

كأنه لم يكن هنا أصلًا.

وقف الرجل وحده من جديد.

لكنه لم يكن كما جاء.

كان يشعر أن داخله طبقة جديدة

ليست جلدًا.

بل وعيًا.

وعيًا بأن الحضارة لا تفشل لأنها ضعيفة.

بل لأنها تنسى متى تتوقف.

ومتى تنصت.

ويبقى السؤال.

هل تستطيع حضارة مثقلة بالوعي

أن تصمد طويلًا.

من دون أن تفقد إنسانها.




د. صباح الجهني🌹



الاثنين، 19 يناير 2026

الغربة المزدوجة

 





الغربة المزدوجة: حين يصبح العالم كله بعيدًا



 د. صباح الجهني


ليست الغربة أن تعيش خارج وطنك، ولا أن تشتاق إلى أهلك فحسب. الغربة الحقيقية هي أن تجتمع عليك غربتان في آنٍ واحد: غربة المكان وغربة الوطن. عندها لا يعود للعالم نقطة ارتكاز.


تستيقظ في مدينة لا تحمل ذاكرتك، وتنام وأنت تشتاق إلى وطنٍ لم يعد كما كان. تكون جسدًا في الخارج وروحًا في مكان لم يعد موجودًا. هذه هي الغربة المزدوجة.


في الغربة العادية يكون المكان غريبًا لكنه قابل للترويض؛ تتعلم شوارعه، تحفظ وجوهه، وتنسج فيه عادات جديدة. لكن في الغربة العميقة لا يتجذر القلب. تشعر أن كل شيء مؤقت: البيت، العمل، العلاقات، وحتى ابتسامتك. المكان لا يرفضك، لكنه لا يحتضنك أيضًا. تعيش فيه دون أن تسكنه.


أما غربة الوطن فهي الأشد قسوة، لأن الوطن لا يغيب من القلب حتى حين يغيب عن الحياة. أن تعرف أن أهلك هناك، لكنهم لا يرونك الآن. أن تحبهم، لكنهم لا يشاركونك تفاصيل يومك ولا أوجاعك الصغيرة. تصبح الذكريات أثقل من الحقيبة، ويصير الحنين حالة مزمنة. الوطن هنا لا يُفقد جغرافيًا، بل يُفقد نفسيًا.


وحين تتقاطع الغربتان، لا يكون لديك مكان تذهب إليه لتستريح. المكان الجديد لا يشعر بك، والوطن القديم لا يحتويك كما كنت. تصبحين امرأة تعيش بلا أرض داخلية. حتى اللغة تتعب، حتى الضحكة لا تخرج كاملة، وحتى الدعاء يكون ممزوجًا بالبكاء. هذه الغربة ليست سفرًا، إنها انكسار في الانتماء.


وتكون أقسى على المرأة لأنها لا تسكن الأمكنة فقط، بل تسكن العلاقات. حين تُنتزع من أهلها ومن شبكتها العاطفية تفقد جزءًا من تعريفها لنفسها. تبدو قوية من الخارج، هشة في الداخل. تنجح وتعمل وتصمد، لكنها في الليل تشتاق إلى صوتٍ يعرف اسمها بلا شرح.


ولا يكون النجاة بالعودة فقط، ولا بالبقاء فقط، بل ببناء وطنٍ داخلي لا يهجرنا. مكان في القلب لا ينهار، نسمح فيه لأنفسنا أن نحزن دون خجل، وأن نشتاق دون ضعف، وأن نكون كما نحن بلا تبرير.


الغربة المزدوجة ليست في جواز السفر، بل في القلب. وأسوأ ما فيها أن لا أحد يراها. لكن من عاشها يعرف أن أقسى مسافة في الحياة هي المسافة بينك وبين المكان الذي كنتِ فيه إنسانة كاملة.




ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...