الجمعة، 14 نوفمبر 2025

بين يدي الصمت




بين يدي الصمت…

تمدّد الليل فوق كتفي

كوشاحٍ من نجوم.

وأسرّ لي بلطفٍ.

اهدئي… فكل الأشياء تعود إلى مكانها حين تنامين.

وأنا…

أترك تعبي يتدلّى من أطراف يومي

كقطةٍ ناعسة

ملّت الركض.

وتريد أن تنام في حضن الضوء.

أقترب من نافذتي.

أطلب من القمر أن يلين.

ومن النسيم أن يغنّي لي قليلًا.

ومن الله أن يضع يده

على قلبي…

ليصبح أخفّ.

يا ليل…

غنِّ لي أغنية

تعرفها الأرواح المتعبة.

أغنيةٌ تنفض غبار النهار.

وتلمس قلبي

كما تلمس قطرة مطر

خدَّ وردة خجولة.

علّمني كيف أُغمض عيني

وأتوكّل…

كيف أنسى كل ما أثقل صدري

وأتركه يطفو بعيدًا

كأوراقٍ ذهبيّة

في نهرٍ هادئ.

يا رب…

في هذا الليل

اجعلني نغمةً مطمئنة.

واجعل قلبي وترًا لطيفًا

لا يهتزّ إلا بذكرك.

ولا يخاف.

ولا يضيع.

نامي يا روحي…

فإن بين يدي الصمت

لحنًا لا يسمعه إلا مَن اختبر

أن الله… أق من كلّ همسة.


يد. صباح الجهني 

بدون عنوان









لم يعد قلبي يبحث عن الناس.

ولا ينتظر منهم شيئًا…

الكسرة التي أصابتني لم تكن كسرة عادية.

كانت كالضربة التي توقِظ الروح من غفلتها.

فتجعلها ترى الحياة كما لم ترها من قبل.

صرتُ أشعر أن بعض الجراح ليست لإيذائنا.

بل لفتح أبواب فينا كانت مغلقة…

وبعض الكلمات التي سقطت عليَّ كالسكاكين

كانت في الحقيقة مرايا.

أراني اللهُ فيها نفسي التي لم أنتبه لها.

نَفَسي الطويل.

وصبري الواسع.

وقدرتي على احتواء ما لا يُحتوى.

لستُ غاضبة…

الغضب شعور البشر.

أما ما أشعر به الآن.

فهو شيء يشبه الخذلان النبيل.

ذلك الخذلان الذي لا يصنع حقدًا…

بل يكشف لك قيمة نفسك حين تنفضّ عنها الأصوات المؤذية.

ليلة الألم تلك لم تمرّ عبثًا.

فقد رأيتُ كيف تُطفئ الروح نورها قليلًا.

لتُعيد إشعاله من مكان أعمق.

وأصدق……

وأقرب إلى الله.

أدركتُ فجأة.

أن بعض الأوجاع ليست عقابًا.

بل اصطفاء…

وأن الله حين يريد أن يرفعك.

يُخلخل شيئًا في داخلك.

كي لا تتعلّقي بالأرض أكثر من اللازم.

كنتُ أبحث عن العدل في الناس.

فدلّني الألم على عدل الله.

كنتُ أنتظر الكلمة الطيبة من بشر.

فأعطاني الله سكينةً في قلبي أعمق من ألف كلمة.

كنتُ أفتح صدري لغير أهله.

فجاء الوجع ليقول لي.

“عودي…

عودي إلى الله وحده.

فهو الذي يسمعك دون قسوة.

ويقترب منك دون شروط..

ولستُ أدّعي القوة…

لا…

أنا لا أزال مُنهكة…….

مُحمّلة بالأثر.

ممتلئة بندبة لا يعرفها أحد.

لكنني تعلمت أن الندوب ليست عيبًا

بل خريطة تُرينا الطريق الذي مشينا فوقه.

حتى وصلنا إلى هذا الإدراك الهادئ.

أننا أقوى مما ظنّ الآخرون.

وأضعف مما اعترفنا لأنفسنا.

وأقرب إلى الله مما كنا نتخيل.

اليوم…

لا أطلب شيئًا من أحد.

ولا أرجو كلمة من بشر.

ولا أنتظر اعتذارًا من قلب لم يفهم.

كل ما أريده

أن أعيش في تلك المسافة الصغيرة

بين الصبر والسكينة.

بين الأذى والرضا.

بين ما كُسر في داخلي.

وما أعاده الله مضيئًا رغم الألم.

أنا لستُ كما كنت.

ولا أرغب أن أعود كما كنت.

لقد جعلني الجرح أعمق.

وأصفى.

وأقرب إلى الله…

وكفى بهذا عزاءً.




د. صبـاح  الجهني 

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

الظلّ خلف الضوء




ليس كلُّ ضوءٍ يولَد من فجرٍ رقيقٍ مطمئن.

فهناك أنوارٌ وُلدت من رحم الإنهاك.

من ليالٍ أكلها التفكير.

ومن قلبٍ ظنّ أن الطريق انتهى. 

ثم اكتشف أنه للتكوين لا للتيه.

نحن لا نخرج من العتمة فجأة.

بل نتعلّم السير فيها .

نتلمّس الحيطان بأصابع القلب .

نرتبك، نسقط .

ثم نكتشف أن العتمة لم تكن لتُطفئنا .

بل لتعلّمنا لغة الضوء حين يأتي.

الظلّ الذي كنا نكرهه…

كان المعلّم الأول للتماسك.

فيه تدرّبنا على الصبر.

وتعلّمنا أن الألم ليس عدوًّا.

بل صديقٌ صادقٌ يخبرنا أن فينا شيئًا حيًّا ما زال يقاوم.

كل تعبٍ كان بذرة.

وكل تأخّرٍ كان توقيتًا رحيمًا.

وكل ما ظننّاه انكسارًا.

كان في الحقيقة انحناءةَ حكمةٍ أمام امتحان الحياة.

حين يجيء الضوء بعد كل ذلك.

لا يبهرك بسطوعه.

بل يدهشك بلطفه.

لأنه يأتي بلا صخب، بلا جمهور، بلا تصفيق.

يأتي كطمأنينةٍ داخلك.

كهمسٍ يقول: لقد وصلتِ، فاهدئي.

الضوء الحقيقي لا يُنكر الظلّ.

بل يحتضنه.

لأنه يعرف أنه لولاه ما كان ليولد.

فالعتمة هي التي تصنع ملامح النور وتمنحه معناه.

الذين خرجوا من الظلام لا يعودون كما كانوا.

تتبدّل فيهم الأشياء بلا إعلانٍ ولا ضجيج.

كأنهم أجرَوا اتفاقًا سرّيًا مع الحياة.

أن يعيشوا بهدوءٍ بعد أن أنهكهم الصراع.

وجوههم تصفو، لا لأن الدنيا صارت أرحم.

بل لأنهم تعلّموا كيف لا يحملونها فوق ملامحهم.

تراهم يبتسمون دون مناسبة.

ابتسامة صغيرة كوميضِ نجمٍ يعرف متى يختفي ومتى يُطلّ.

ذلك لأنهم أدركوا أن الفرح ليس حدثًا خارجيًا.

بل حالةُ رضا تنبت في القلب.

حين يتصالح الإنسان مع قدره.

قلوبهم أعمق.

لأنهم ذاقوا الغياب بكل أنواعه.

غياب الناس، وغياب الطمأنينة، وغياب الإجابات.

فصاروا يعرفون قيمة الحضور حين يأتي.

ويعرفون أن السكينة لا تُشترى.

بل تُزرع في لحظة انكسارٍ صادقٍ مع الله.

لقد علّمهم الظلام أن النور لا يأتي من الخارج.

بل من شعلةٍ صغيرةٍ أشعلها الإيمان في داخلهم.

تلك الشعلة هي التي أبقتهم واقفين.

حين ظنّ الجميع أنهم سيسقطون.

ولذلك حين يعودون إلى الضوء، لا يتفاخرون.

ولا يروون قصصهم بفخر المنتصر.

بل بهدوءِ العارفين الذين لمسوا يد الله في الخفاء.

يعلمون أن اللطف الإلهي لا يُرى بالعين.

بل يُحَسّ في المرات التي ننجو فيها.

من دون أن نفهم كيف.

أولئك لا يعودون كما كانوا.

لأنهم لم يعودوا يبحثون عن الإجابات في الخارج.

بل وجدوا الله في أعماقهم.

حين قال لهم القدر: «امشوا وحدكم»…

فاكتشفوا أن وحدتهم لم تكن إلا ممرًّا إليه.



﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾


✦ د. صبــاح الجهــنـي  ✦

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...