الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

الخوف الذي يعبر أرواحنا

 








حين يختلط الخوف بكل شيء… حتى بالضحك

أفكّر كثيرًا في هذا الشيء الذي صار يسكننا جميعًا بصمت…

الخوف.

ليس خوفًا واحدًا، ولا معنى واحدًا، بل شبكة كاملة من الارتعاشات الخفية التي تتوزع داخل الروح…

تتنفس معنا، تتنقل من زاوية لأخرى، تُشعل شيئًا هنا، وتنطفئ هناك، ثم تعود.

حتى الضحك—ذلك الفعل البسيط الذي كان يومًا صافيًا—صار مشحونًا بالخوف.

نضحك فنرتجف.

نفرح فنلتفت حولنا.

نبتسم فنهمس دون أن نقولها علنًا….

“اللهم استر.”

وكأن الخوف بات جزءًا من الفرح

وظلًا ملتصقًا بالضحكة

وجرس إنذارٍ يرنّ حين يرتفع صوت سعادتنا قليلًا.

لم أعد أستغرب هذا الارتباط الغريب…

فالروح التي تذوقت الخسارة مرة،تصير أكثر حذرًا من اللذة.

والقلب الذي أحب كثيرًا… يخاف كثيرًا.

والإنسان الذي عاش شيئًا لم يكن مستعدًا لحدوثه… تتغير طريقة ضحكه إلى الأبد.

الخوفُ لم يعد ردّة فعل… بل صار أسلوب عيش أحيانًا أشعر أن الخوف هو الهواء الذي نتنفسه دون أن ندري.

نخاف ونحن نضحك

ونخاف ونحن نحب

ونخاف ونحن نخطو خطوة نحو المستقبل.

ونخاف حتى ونحن نصلّي ونطلب الأمان.

خوفٌ شفيف، يومي، غير مرئي…

لكن أثره واضح في كل حركة:

نضحك ثم نتوقف فجأة……!!!!

كأننا نخشى أن يسمعنا القدر فيشكل ضدّنا مكيدة.

نفرح بخبر…..

ثم نفرمل حماسنا خشية أن يكون “كاملًا أكثر من اللازم”

فنخشى أن نفقده كما فقدنا ما قبله.

نمسك أيدي أطفالنا

وفي الخلف… صوت صغير يحذرنا من شيء لا نعرفه.

ننجح

فنضحك بحذر.

كأن النجاح نعمةٌ يجب أن تختبئ كي لا تُحسد، كي لا تُنزع.

حتى الحب…

حين يقترب منا، ترتعش أرواحنا قبل قلوبنا.

ليس لأن الحب مخيف.

بل لأن الفقد الذي يأتي بعده—إن جاء—قاتل.

لماذا نصير خائفين من السعادة؟

لأننا ذقنا شيئًا ما في الماضي…

جرحًا، خسارة، صفعة، تحوّلًا، ورقة طارت فجأة من يد القدر.

ولأن الروح بطبيعتها تحفظ الألم أكثر مما تحفظ الفرح.

تبقى الذاكرة تحرس القلب

تخيفيه.

تقوده.

تمنعه من الاندفاع.

نضحك اليوم…

فتتذكر الروح ضحكةً في الماضي سبقتها كارثة.

فتقول لنفسها: “احذري، ليس كل ضحك آمنًا.”

ولأننا نكبر…

نتعلم أننا لسنا محصّنين.

نفهم أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا.

ندرك أن السعادة ليست وعدًا، بل زيارة.

ولأنها زيارة… نخاف أن ترحل سريعًا

الخوفُ ليس دائمًا نقصًا… أحيانًا هو وعي

الخوف يعلمنا الحذر.

يعلمنا كيف نضع الأشياء في مكانها الصحيح.

يعلمنا ألا نبالغ في التعلق

ولا نرهن حياتنا لفكرة أو شخص أو حلم.

الخوف يقول لنا. اضحك… لكن لا تبنِ عمرك كله على لحظة. 

أحبّ… لكن احتفظ بقلبك قليلًا لنفسك.

احلم… لكن لا تنسَ الأرض التي تقف عليها.

تمسّك… لكن لا تنكسر عندما يفلت كل شيء.

الخوف هو المناعة العاطفية التي نكتسبها بعد التجارب

ليس ليطفئ الحياة…

بل ليحميها.

لكن الخوف، حين يزداد…

 يختنق القلب هناك خوفٌ جميل…

يجعلنا أكثر وعيًا.

وهناك خوفٌ خانق…

يجعلنا نخجل حتى من الضحك.

نغلق باب السعادة قبل أن تقترب،

كأننا نقول لها…

“ليس الآن… لست مستعدة… أخاف من بعدك.”

ونؤجل الفرح،

ونخنق الحلم.

ونخفف خطواتنا.

ونعيش نصف حياة…

لأننا نخاف من الجانب الآخر.

لكن الحقيقة القاسية هي

القدر لا ينتظر ضحكتنا ليقرر ما يأخذ وما يعطي.

الخسارة لا تأتي لأننا فرحنا.

والألم لا يأتي عقوبةً لضحكة.

والحياة ليست دفتر حساب.

نحن لا نخاف من الضحك… نحن نخاف من الفقد

نخاف أن نفقد شخصًا نحبّه فجأة.

نخاف أن يختفي الأمان من تحت أقدامنا.

نخاف أن يتغير ما نعرفه.

نخاف أن تنتهي اللحظة الجميلة بسرعة.

نخاف أن يتكرر ألم قديم.

هذا هو جوهر المسألة…..

سعادتنا مرتبطة بقلوبنا.

وقلوبنا مرتبطة بكل ما يمكن أن نفقده.

كيف نصالح خوفنا دون أن نتخلى عن الفرح؟

أن نضحك كاملة… ولو خفنا.

أن نفرح كاملة… ولو ارتجف القلب بعدها.

أن نسمح للحياة بأن تمرّ من خلالنا بلا مقاومة.

أن نؤمن أن القدر لا يعاقب

ولا ينتظر خطأ صغيرًا ليأخذ منا شيئًا كبيرًا.

أن نفهم أن السعادة ليست ذنبًا

وأن الفرح لا يستدعي الألم.

وأن الضحكة لا تُنقص الرزق.

ولا تهزّ الأقدار.

ولا تحرّض المفاجآت.


وأكتب لنفسي… وللقلب الذي يخاف ويحب في الوقت نفسه

اضحكي. حتى لو ارتجفتِ.

حتى لو شعرتِ بوخزة خوف خلف السعادة.

اضحكي… لأن الضحكة ليست وعدًا بالخسارة.

بل شهادة على أنكِ ما زلتِ حية.

ما زلتِ قادرة.

ما زلتِ تتنفّسين رغم كل ما مرّ عليكِ.

اضحكي…

فالسعادة ليست دائمًا طويلة.

لكنها دائمًا تستحق أن تُعاش..

والخوف؟

دعيه يجلس في الخلف…

ولا تدعيه يقود.


…….



د.صباح الجهني


الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

🖤 حين تُمسك الحرية بأجنحتها 🖤




لم يكن أحدٌ يتخيّل أن ذبّانة صغيرة يمكن أن تُربك فكرة “النظام” داخل بيتٍ عاش طويلًا على الإيقاع نفسه.

فالبيوت التي تغرق في التكرار تُشبه العقول حين تدور حول ذات الفكرة؛

مع الوقت تتحول الجدران إلى حدود

والهواء إلى ذاكرةٍ قديمة

تكتفي بإعادة نفسها بدل أن تتجدد.


ظهرت الذبّانة عند حافة المساحة المألوفة،

وكأنها كائن جاء ليُخبرهم بأن أصغر الكائنات

قد تصبح مرآة لأعمق الأسئلة:

ما الذي يحدث حين يدخل “آخر” إلى عالم مغلق

هل نخشاه لأنه يهدد المكان…

أم لأنه يذكّرنا بأننا نحن المحبوسون؟


كان الأطفال وحدهم القادرين على رؤية الحقيقة.

فالكبار يعتادون الأسر دون أن يشعروا

أما الأطفال فيرتبكون حين يضيق الهواء

ويفهمون على نحوٍ غامض

أن الحرية ليست شيئًا يمكن تفسيره

بل شيئًا يُشبه غريزة الطيران.


حين قال أحدهم:

— أظن أنها تحمل بيضًا

لم يكن يتحدث عن ذبّانة

بل عن إمكانية الانفجار الداخلي

عن تلك اللحظة التي تفقس فيها الأشياء المخبّأة

وتملأ المكان بما لم يعد يحتمل.


إن تخوّفهم من تكاثر الذباب

كان في الحقيقة خوفًا من تكاثر ما يخنقهم

من الأسرار التي لا تُقال

من الرغبات التي لا تُفتح لها نافذة

من الأفكار التي تبقى بلا ضو

فتتحول إلى دوائر مُظلمة داخل النفس.


تجمعوا حول الذبّانة

كما لو أنهم يحيطون بمفهوم لا يستطيعون فهمه.

ولما حملوها بأصابع صغيرة مرتعشة

وتوجهوا نحو الباب

كانوا في الحقيقة يحملون نسخة مصغرة من ذواتهم

كائنًا يريد الخروج

لكنه لا يملك إلا جناحين صغيرين ورغبة غامضة.


قال الأصغر:

— سنرميها خارج البيت… هناك تستطيع أن تطير.


وكان هذا إعلانًا أوليًا للحرية

ليس للذبّانة وحدها،

بل لذلك الجزء في كل واحدٍ منهم

الذي يحاول أن يعرف:

هل يمكن للداخل أن يتحرر بدون أن يخرج

وهل يملك الإنسان بابًا داخليًا

كما تملك البيوت أبوابًا تُفتح وتُغلق؟


وحين قُذفت الذبّانة إلى الضوء

ارتفعت كأنها تحمل معها

شيئًا لم ينتبه إليه أحد:

ثقل البيت،

ازدحام الصمت

عبء الهواء الذي طالت إقامته.


في تلك اللحظة

لم يفهم الأطفال ما الذي تغير

لكنهم شعروا بانفراجة خفيفة في صدورهم

كأن جناحًا ما تحرك في الداخل.


ظلّ الباب مفتوحًا لثوانٍ أطول من العادة،

وفي تلك الثواني

كان البيت يختبر نفسه:

هل يريد استعادة هوائه القديم؟

أم يحنّ للتيار الذي يلمس الحرية من بعيد؟


لأن الحقيقة التي لم يدركوها بعد

هي أن الذبّانة لم تكن المشكلة…

وأن البيض الذي قد يفقس

لم يكن في بطنها

بل في داخل كل روحٍ تخشى أن تكبر

وتخشى أكثر أن وتنفتح على الضوء.

د. صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...