الطيور الجارحة التي نطعمها
هناك من يظن أنه قادر على توجيه الأذى كيفما يشاء، وأن الشر الذي يصنعه سيبقى محصورًا في الآخرين
بعيدًا عنه وعن أحبته. يشبه ذلك من يربي طيورًا جارحة ويطعمها جيدًا، ثم يطلقها لتخطف من يشاء من الناس.
يراقبها وهي تنقض على ضحاياها
ويشعر بالرضا لأنها تنفذ ما يريد، معتقدًا أنه يملك السيطرة الكاملة عليها.
لكن الحقيقة
التي يغفل عنها كثيرون أن الطيور الجارحة لا تعرف الوفاء لصاحبها
ولا تميز دائمًا بين عدو وصديق.
فهي مدفوعة بغريزتها، لا بأوامر مربيها.
وما دام قد علمها الافتراس، فلا يحق له أن يندهش عندما تخطئ يومًا في اختيار فريستها.
كم
من إنسان غذّى الكراهية حتى كبرت، ثم فوجئ بأنها التهمت راحته قبل أن تصل إلى غيره.
وكم
من شخص شجع الظلم عندما كان يصيب الآخرين، ثم صرخ مستنكرًا عندما طرق الظلم بابه.
فالشر لا يسير في الطرق التي نرسمها له دائمًا.
بل كثيرًا ما يعود إلى مصدره بعد أن يدور دورة كاملة.
إن من يزرع الفتن بين الناس، أو يربي الأحقاد في القلوب
أو يستخدم الآخرين أدوات لإيذاء من حوله، يشبه تمامًا من يطلق طيورًا جارحة في السماء.
قد تنجح مهمتها مرات كثيرة، وقد تصيب أهدافها كما أراد
لكنه لا يملك ضمانة واحدة بأنها لن تنقلب عليه يومًا. وعندما يحدث ذلك.
لن يكون الأمر مفاجأة بقدر ما هو نتيجة طبيعية لما صنعه بيديه.
فالطيور التي تعودت على الخطف لا تسأل عن هوية الضحية
والنار التي أشعلتها في بيوت الآخرين لا تفرق بين بيتك وبيوتهم إذا اشتدت الرياح.
لذلك كان العقلاء يحذرون دائمًا من صناعة الشر
لا خوفًا على الآخرين فقط، بل خوفًا على أنفسهم وأبنائهم ومستقبلهم..
ومن أعظم الدروس في الحياة أن الأذى حين يصبح وسيلة لتحقيق الغايات.
يتحول مع الوقت إلى قوة مستقلة لا يمكن التحكم بها.
وعندها قد يجد صاحبها نفسه واقفًا مذهولًا وهو يرى ما رباه بيده يخطف أغلى ما يملك.
لهذا، فإن الحكمة ليست في إطعام الطيور الجارحة وتوجيهها نحو الآخرين.
بل في منعها من التحليق أصلًا.
فمن صنع الخير عاد إليه الخير.
ومن غذّى الشر فلا يلومنّ إلا نفسه إذا عاد يومًا إلى عقر داره.
د.صباح الجهني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق