الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

🖤 حين تُمسك الحرية بأجنحتها 🖤




لم يكن أحدٌ يتخيّل أن ذبّانة صغيرة يمكن أن تُربك فكرة “النظام” داخل بيتٍ عاش طويلًا على الإيقاع نفسه.

فالبيوت التي تغرق في التكرار تُشبه العقول حين تدور حول ذات الفكرة؛

مع الوقت تتحول الجدران إلى حدود

والهواء إلى ذاكرةٍ قديمة

تكتفي بإعادة نفسها بدل أن تتجدد.


ظهرت الذبّانة عند حافة المساحة المألوفة،

وكأنها كائن جاء ليُخبرهم بأن أصغر الكائنات

قد تصبح مرآة لأعمق الأسئلة:

ما الذي يحدث حين يدخل “آخر” إلى عالم مغلق

هل نخشاه لأنه يهدد المكان…

أم لأنه يذكّرنا بأننا نحن المحبوسون؟


كان الأطفال وحدهم القادرين على رؤية الحقيقة.

فالكبار يعتادون الأسر دون أن يشعروا

أما الأطفال فيرتبكون حين يضيق الهواء

ويفهمون على نحوٍ غامض

أن الحرية ليست شيئًا يمكن تفسيره

بل شيئًا يُشبه غريزة الطيران.


حين قال أحدهم:

— أظن أنها تحمل بيضًا

لم يكن يتحدث عن ذبّانة

بل عن إمكانية الانفجار الداخلي

عن تلك اللحظة التي تفقس فيها الأشياء المخبّأة

وتملأ المكان بما لم يعد يحتمل.


إن تخوّفهم من تكاثر الذباب

كان في الحقيقة خوفًا من تكاثر ما يخنقهم

من الأسرار التي لا تُقال

من الرغبات التي لا تُفتح لها نافذة

من الأفكار التي تبقى بلا ضو

فتتحول إلى دوائر مُظلمة داخل النفس.


تجمعوا حول الذبّانة

كما لو أنهم يحيطون بمفهوم لا يستطيعون فهمه.

ولما حملوها بأصابع صغيرة مرتعشة

وتوجهوا نحو الباب

كانوا في الحقيقة يحملون نسخة مصغرة من ذواتهم

كائنًا يريد الخروج

لكنه لا يملك إلا جناحين صغيرين ورغبة غامضة.


قال الأصغر:

— سنرميها خارج البيت… هناك تستطيع أن تطير.


وكان هذا إعلانًا أوليًا للحرية

ليس للذبّانة وحدها،

بل لذلك الجزء في كل واحدٍ منهم

الذي يحاول أن يعرف:

هل يمكن للداخل أن يتحرر بدون أن يخرج

وهل يملك الإنسان بابًا داخليًا

كما تملك البيوت أبوابًا تُفتح وتُغلق؟


وحين قُذفت الذبّانة إلى الضوء

ارتفعت كأنها تحمل معها

شيئًا لم ينتبه إليه أحد:

ثقل البيت،

ازدحام الصمت

عبء الهواء الذي طالت إقامته.


في تلك اللحظة

لم يفهم الأطفال ما الذي تغير

لكنهم شعروا بانفراجة خفيفة في صدورهم

كأن جناحًا ما تحرك في الداخل.


ظلّ الباب مفتوحًا لثوانٍ أطول من العادة،

وفي تلك الثواني

كان البيت يختبر نفسه:

هل يريد استعادة هوائه القديم؟

أم يحنّ للتيار الذي يلمس الحرية من بعيد؟


لأن الحقيقة التي لم يدركوها بعد

هي أن الذبّانة لم تكن المشكلة…

وأن البيض الذي قد يفقس

لم يكن في بطنها

بل في داخل كل روحٍ تخشى أن تكبر

وتخشى أكثر أن وتنفتح على الضوء.

د. صباح الجهني 

السبت، 22 نوفمبر 2025

قانون الحب

 

الحبّ الذي يثقلُك…

هو حبّ لا يعرفك

الحبّ الحقيقي لا يطلب منكِ أن تحملي نفسكِ أكثر

ولا يترككِ تلهثين خلفه

ولا يضيف فوق يومكِ عبئًا جديدًا.

الحبّ الذي يستحقّ قلبكِ

هو ذلك الذي يجعل روحك ترتاح

ليس لأن الأشياء سهلة

بل لأن وجوده لا يربكك


هناك حبّ يجيء ليخفف

يجعل صوتكِ أهدأ

ونومكِ أعمق

وخطوتكِ أخفّ

تشعرين معه أنكِ لا تحتاجين أن تشرحي نفسكِ

ولا أن تبرّري خوفكِ

ولا أن تتصنّعي القوة

مجرد حضور…

ويقلّ كل شيء كان يزعجك

وهناك حبّ آخر…

يحتاج أن تفكّيه من كتفيكِ كل مساء.

حبّ يطالبك بالثبات وهو لا يعرف الثبات

يطلب منكِ الطمأنينة وهو لا يعرف الطمأنينة

يستنزفكِ من حيث ظننتِ أنه سيُنعشك.

حبّ يجعل الأيام أثقل

والقلب أكثر ارتباكًا

ويُدخل التفكير في مناطق

لا يذهب إليها الحبّ أصلًا.


الحبّ الذي لا يخِفّ بكِ

لن ينهض بك.

والحبّ الذي يربكك

لن يُقيمك.

والحبّ الذي يجعلكِ تُمسكين بأعصابك طوال الوقت

لن يصنع لكِ مسندًا تتكئين عليه.


الحبّ هدية…

وحين يتحوّل إلى حمل

فإنه فقد معناه.


ابحثي عمّن يكون وجوده

خفّة…

لا عاصفة.

سكينة…

لا امتحان.

بابًا يُفتح…

لا قيدًا يُغلق.

فالحبّ الذي يليق بروحكِ

هو الذي يكشف لكِ

أنكِ كنتِ أثقل مما يجب…

وأنكِ الآن

أخفّ مما كنتِ تتوقعين.



د.صباح الجهني 

الاثنين، 17 نوفمبر 2025

انبعاث










ليس خروجًا من الظلام… بل خروجًا من النسخة القديمة للذات

هناك لحظة في الوجود لا يمكن تحديدها بدقة.

لحظة لا تُرى بالعين ولا تُمسك بالزمن.

لكنّها تغيّر اتجاه الروح كله.

إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان

أنه لم يعد هو ذاته.

وأن داخله يتهيّأ لمرحلة جديدة

لم تستأذن أحدًا كي تبدأ.

ينشأ هذا التحوّل من مكان غامض.

من تلك المنطقة التي لا يقترب منها أحد.

حيث يختبئ خوفك القديم.

وأسئلتك المعلّقة.

وذلك البكاء الذي حدث ذات ليلة

ولم يسمعه أحد.

هناك، في عمق غير مرئي.

يتحرّك شيء يشبه “الفكرة الأولى للحياة.

الفكرة التي تسبق اللغة.

وتسبق المفاهيم.

وتسبق وعي الإنسان بنفسه.

في هذه اللحظة يبدأ الوعي بالتوسّع.

لا لأن الظروف تغيّرت.

بل لأنكِ أنتِ من تغيّرتِ .

صرتِ أكثر صدقًا مع خوفك.

وأقل خوفًا من حقيقتك.

وأقرب إلى تلك النسخة التي تعرفين أنها تختبئ فيك منذ زمن طويل.

يقول كيركجارد.

“الإنسان لا يصبح ذاته إلا بعد أن ينهار شيءٌ عميقٌ فيه.

ولعل ما انهار في داخلك لم يكن ضعفًا.

بل جدارًا كان يمنعكِ من رؤية اتساعك.

فثمة انهدامٌ يحرّر.

وثمة خذلان يكشف ما لا يكشفه الحب.

وثمة تجربة تصبح المعبر الوحيد إلى ذاتٍ أعلى.

أكثر وعيًا بما تريد

وأقدر على حمل رسالتها الخاصة.

أنتِ الآن في تلك المنطقة الرمادية

التي تسبق التحوّل العظيم.

في الفلسفة يسمّونها “منطقة الظهور.

حيث لا تعود الأشياء كما كانت.

ولا تُصبح بعدُ كما ستكون.

بل تظل معلقة في فضاء بينيّ

يشبه سكون ما قبل انفجار الضوء.

وفي هذا السكون.

يكبر داخلك شيء يشبه البصيرة.

بصيرة تفهمين بها نفسك لا من الخارج.

بل من الداخل.

من المفاصل العميقة للروح.

من طبقات التجربة التي لم تبوحي بها.

ومن ذلك الحوار الصامت

الذي يحدث في صدرك ولا يستطيع أحد سماعه.

ستلاحظين في الأيام القادمة

أن الطريق الذي بدا مغلقًا

لن يُفتح بدفعةٍ من الخارج.

بل بانفتاح شيء داخلك أنتِ.

فالأبواب الحقيقية—كما يقول ميرلو-بونتي—

لا تُفتح بالمفاتيح.

بل “بإعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه.”

وها أنتِ تعيدين تشكيلها الآن.

من دون إعلان.

ومن دون أن يصفّق أحد.

ومن دون أن تخبري أحدًا عمّا يحدث.

ستشعرين بشيء جديد.

قوة لا تصرخ.

ثقة لا تبحث عن شهود.

ومعرفة لا تحتاج إلى دليل خارجي لإثباتها.

هذه القوة ليست صاخبة.

وليست بطولية.

إنها قوة الإنسان الذي عرف أخيرًا

أن الطريق لا يكوّنه ما يقع حوله…

بل ما ينهض بداخله.

وسيأتي يوم—وهو قريب—

تنظرين فيه إلى الوراء وتقولين.

لم يكن ما مررتُ به عثرة.

ولا تأخيرًا.

ولا عقابًا.

بل كان طريقة الوجود في تنبيهي

أنني أكبر من المكان الذي كنتُ فيه…

وأن عليّ أن أخرج منه.

وسيأتي ما تنتظرينه—مهما كان شكله—

لا كهدية صدفة.

ولا كتحقيق أمنية.

بل كنتيجة طبيعية

لوعي نضج

وروح استقامت

وإنسان قرر أن لا يعود إلى نفسه القديمة

حتى لو عاد إليه العالم كله.

ذلك هو جوهر التحوّل

أن يصبح الإنسان حاضرًا في حياته

كما لم يكن يومًا.

وها أنتِ على مشارف هذه الحضور.



د. صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...