الأحد، 7 سبتمبر 2025

الحب الذي يحفظكِ




يا سيدتي،

أعلمي أن قلبكِ نهرٌ رقراق،

وروحكِ سماءٌ واسعة، لا تعرف الانكسار.

الحب لا يُقيد الطيور، ولا يُسكت الأصداء،

ولا يطلب من زهرةٍ أن تنحني لتُرضي الريح.


قد يأتيكِ من يظن أن القسوة رجولة،

ويأتيكِ من يُسمي الإهانة غيرة،

ومن يُخفي قبضته خلف ابتسامة،

قد تُغريكِ الكلمات، فتظنين أن الحب لا يُكتشف إلا بالذل.

لكن الحب الذي يُذل،

ليس حبًا، بل ظلٌ يُخفيه الليل عن الشمس.


الحب الذي يرفعكِ،

هو الذي يُقبّل جبينكِ كما يُقبّل أوراق الورد،

يحرس جناحيكِ كي تطيرين بلا خوف،

ويعلم أن كرامتكِ تاجكِ،

لا يُمسّ إلا لتُرفعين به عاليًا.


المرأة التي تمنح كرامتها باسم الحب،

كمن يزرع وردة في صحراء من الملح،

قد تنبت للحظة، لكنها لا تدوم،

أما الحب الذي يحرس التربة،

فينبت الزهور ويظل العطر خالدًا،

فهذا الحب يستحق أن تُعطى له الروح.


يا سيدتي،

لا تنخدعي بما يُسمّى غيرة أو حرصًا،

ولا تظني أن الانحناء وفاء،

فالوفاء الحقيقي أن تصوني نفسكِ،

أن تظلّي المرأة التي تعرف قيمتها،

المرأة التي لا ينكسر ظهرها أمام أحد،

ولا يُطفأ نورها إلا بإرادتها.


الحب ليس حربًا، ولا ميدانًا تُساق فيه القلوب كالقطع،

الحب شراكة ندّية، نهران يلتقيان،

يجريان جنبًا إلى جنب، بلا قيد، بلا جرح،

الحب الذي يحفظكِ هو الحياة نفسها،

هو الريح التي تدفع شراع قلبكِ،

هو الشمس التي لا تتنازل عن إشراقها،

لكِ لتلمعي، لا لتطفئي.


تذكّري، يا سيدتي،

من يحبكِ بحق، لن يطلب منكِ أن تنحني،

بل سيقف بجانبك، يحمي جناحكِ،

ليكون لكِ مرايا السماء،

لكِ الحرية، لكِ الحياة، لكِ النور.


د . صباح الجهني 

السبت، 6 سبتمبر 2025

ماذا …. لو

 






قالها بهدوء، كمن يُلقي جملةً يعرف تمامًا أنها لن تُنسى.

كان صوته يشبه ملامحه: مطمئنًا، خفيفًا على القلب، لا يرفع سلاحًا،

ولا يحمل حاجة للإقناع.

قالها وهو يرمقها بعينٍ تشبه الغيم قبل المطر…

ساكنة، لكنها ثقيلة بالوعد.

تلك النظرة لم تكن رومانسية، ولا ملتهبة 

بل كانت شيئًا آخر… شيء يشبه البيت.


هي لم تكن تنتظر أحدًا.

ولم تكن في لحظة انكسار أو ضعف حين التقاها.

كانت واقفة بثبات امرأةٍ اكتفت من كل شيء، حتى من الحلم.

مشغولة بترميم ذاتها، بحراسة صلابتها،

بممارسة الحياة كما يمارسها الناجون 

بهدوءٍ مشوب بالحذر، وبقلبٍ لا يفيض إلا على نفسه.


منذ زمن طويل قرّرت أنها لن تسقط مرة أخرى.

ليس لأنها أقوى. 

بل لأنها تعلمت ثمن السقوط.

تعلمت أن الأرض لا تحتضن.

وأن أغلب الأكتاف لا تُعتمد.

أن الأقرب قد يكون أول من يبتعد،

وأن الطمأنينة، في هذا الزمن، نادرة كنداءٍ صادق.


لكنّه اقترب.

ولم يطلب شيئًا.

لم يفتح بابًا ولا طرق نافذة،

بل حضر… ببساطة حضور الضوء في الظلام.

لا يتوسل أن يُرى،

ولا يفرض نفسه…

يكفيه أن يكون.


كان صوته لا يرفع إيقاعه.

كلماته لا تبحث عن إعجاب.

ونظراته لا تفضح رغبة… بل تهمس بالأمان.

وهي، رغم كل ما أحاطت به نفسها من منطق.

رغم كل “اللاءات” التي تعلّمت تكرارها.

شعرت بشيء ما يتزحزح بداخلها.


شيءٌ يشبه: “وماذا لو؟”


اقترب كما يقترب الأصدقاء القدامى بعد قطيعة طويلة

بحنينٍ لا يُعلن عن نفسه.

وبرغبة في البقاء لا تُشهر سلاحها.

اقترب حتى صارت المسافة بينهما قاب قوسين من الطمأنينة.


كانت تراقبه بصمت،

وفي أعماقها تدور كل الحوارات التي لا تُقال:

“هل أستطيع أن أستريح؟

هل يمكنني هذه المرة أن أسمح لقلبي أن يميل دون أن يُكسر؟

هل أُجرب… أم ألوذ بالعقل؟”


لكن العقل خذلها هذه المرة.

خذلها لأنّه لم يجد تفسيرًا لذلك الشعور الذي ينمو بصمت،

كالنبتة في التربة القديمة.

نبتة لم تُسقَ منذ أعوام، لكنها الآن تميل نحو الضوء.


وفي مساء بطيء،

مساء لا يشبه المساءات التي اعتادتها،

حين كانت وحدتها صاخبة والمكان ضيقًا رغم اتساعه،

نظرت إليه طويلاً،

وكأنها تفتّش عن الدليل الأخير…

العلامة التي تقول: “نعم، هذا هو.”

وكانت هناك… في عينيه،

تلك الجملة التي لا تُقال:

“أنا هنا… لا لأُغيّرك، بل لأراك.”


سقطت.

لكنها لم تسقط كما يسقط الضعفاء.

سقطت كما يسقط الغيم حين يُثقل عليه الماء 

برحمة، وبرغبة في الانسكاب.

لم تكن انحناءة هزيمة، بل استسلام واثق.

استسلام امرأة تعبت من الركض

فقررت أن تجلس، أن تتنفس

أن تسمح لأحدهم أن يحمل عنها الحِمل قليلاً.

ابتسامة هادئة، بعيدة عن لهفة المراهقة

قريبة من نضج الخائفين الذين وجدوا أخيرًا من يحتملهم.

ابتسامة من فهمت الدرس الذي يأتي متأخرًا

أن السقوط ليس ضعفًا إذا كان في حضرة من “يسوى”.


بعض الرجال لا يحتاجون إلى تقديم أنفسهم.

يكفي أن يكونوا… في حضورهم الطمأنينة،

وفي كلامهم السند،

وفي قلوبهم المساحة التي تسمح لك أن تكون،

كما أنت… دون تبرير، دون أداء، دون دفاع.


في نهاية المشهد،

حين عاد كل شيء إلى سكونه

لم تكن هناك موسيقى درامية

ولا إعلان حب.

كان هناك فقط… راحة.

شيء لم تعرفه منذ زمن،

شيء لا يقال، بل يُعاش.


وهي، التي كانت تظن أنها لا تسقط،

اكتشفت أن السقوط، أحيانًا،

هو أعظم وقوف.




د. صباح الجهني 

الأربعاء، 9 يوليو 2025

الدين والتقليد مواسم متقلبة بين الخوف والعادة

 






صراع البشر بين الدين والتقليد: مواسم متقلّبة بين الخوف والعادة


ما بين لحظة خوفٍ عميق وصوت ضميرٍ مرتجف، يتشبّث الإنسان بالدين.

وما بين رخاء الحياة وسطوة الجماعة، يستسلم للتقليد.

هكذا، وبلا وعي واضح، يتقلّب البشر بينهما وكأنهم أسرى موسمٍ داخلي، لا اختيار فيه للعقل، بل تملي فيه النفس ميولها وفق حاجتها لا وعيها.


حين يواجه الإنسان المجهول، الموت، المرض، أو الظلم، ينكفئ إلى الدين… يفتّش عن عدالة إلهية، عن طمأنينة فوقية، عن معنى لا توفره الأرض.

وحين يطمئن، يعود إلى تقاليد الجماعة، لا لأنها أصدق، بل لأنها مألوفة… ومَن عاش طويلًا في قيدٍ ناعم، صار يخاف الحرية.


الدين، حين يُفهم في جوهره، حركة نحو الحق، نحو التفكر، نحو مسؤولية الذات أمام خالقها.

أما التقليد، فهو محاولة لتكرار ما فعله الآخرون كي لا يتحمل الإنسان عبء التفكير.

ولهذا، يُفهم لماذا ترى إنسانًا يُصلّي ويغش، أو يحج ويظلم، أو يتحجب ويقسو… لأنه يمارس “الدين” بروح التقليد، لا بروح الإيمان.


في بعض المجتمعات، يصبح الدين نفسه جزءًا من التقليد.

فتُمارس الفروض كطقوس اجتماعية، لا كعلاقة روحية.

وتُحاكُم الناس لا على نواياهم، بل على مظهرهم.

ويُمدح الصامت لا لأنه حكيم، بل لأنه لم يعترض.


في رمضان، تفيض المساجد بالمصلين… وفي الأعياد تفيض الأسواق بالمظاهر.

في الحزن، نرفع أكفّ الدعاء… وفي الأفراح ننسى من دعوناه.

إنها مواسم داخلية، نعيشها نحن… لا لأنها من الدين، بل لأنها منّا، من هشاشتنا، من تقلبنا.


فهل نحن متدينون فعلًا؟ أم مجرد مكرّري طقوس؟

هل نلجأ إلى الدين بحثًا عن الله؟ أم لنُرضي المجتمع؟

هل نلتزم لأنه الحق؟ أم لأنه المألوف؟


إنه صراع داخلي لا يُحسم بسهولة، لأن التقليد يمنحنا الأمان، والدين يطلب منا الشجاعة.

التقليد يريحنا من التفكير، والدين يدفعنا إلى المواجهة.

وحين يتلبس التقليد بلباس الدين، تضيع الحدود، ويصعب على الإنسان أن يعرف هل ما يفعله لله… أم للناس؟


إنه صراع يتكرر مع كل جيل، وكل ظرف، وكل نفس:

حين نمرض نصلّي، وحين نُشفى ننسى.

حين نخاف نتطهّر، وحين نرتاح نتساهل.

نعيش في تذبذب، كأنّ التدين موسم، لا سلوك دائم.


البشر لا يعيشون الدين دومًا بدافع اليقين، بل أحيانًا بدافع الحاجة أو الخوف أو التبعية.

والتقليد لا يُعدّ شرًا إن لم يُقتل الروح.

لكن الدين حين يُختزل في تقليد، يفقد جوهره.

والإنسان حين يتعبد بعادة، لا بإرادة، يتحول إلى آلة شعائر لا روح فيها.


فلننظر في دوافعنا… لعلنا نجد الله أقرب من تقاليدنا، وأرحم من جماعاتنا، وأكثر صدقًا من موسم قلقنا.


د. صباح الجهني

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...