الاثنين، 19 يناير 2026

الغربة المزدوجة

 





الغربة المزدوجة: حين يصبح العالم كله بعيدًا



 د. صباح الجهني


ليست الغربة أن تعيش خارج وطنك، ولا أن تشتاق إلى أهلك فحسب. الغربة الحقيقية هي أن تجتمع عليك غربتان في آنٍ واحد: غربة المكان وغربة الوطن. عندها لا يعود للعالم نقطة ارتكاز.


تستيقظ في مدينة لا تحمل ذاكرتك، وتنام وأنت تشتاق إلى وطنٍ لم يعد كما كان. تكون جسدًا في الخارج وروحًا في مكان لم يعد موجودًا. هذه هي الغربة المزدوجة.


في الغربة العادية يكون المكان غريبًا لكنه قابل للترويض؛ تتعلم شوارعه، تحفظ وجوهه، وتنسج فيه عادات جديدة. لكن في الغربة العميقة لا يتجذر القلب. تشعر أن كل شيء مؤقت: البيت، العمل، العلاقات، وحتى ابتسامتك. المكان لا يرفضك، لكنه لا يحتضنك أيضًا. تعيش فيه دون أن تسكنه.


أما غربة الوطن فهي الأشد قسوة، لأن الوطن لا يغيب من القلب حتى حين يغيب عن الحياة. أن تعرف أن أهلك هناك، لكنهم لا يرونك الآن. أن تحبهم، لكنهم لا يشاركونك تفاصيل يومك ولا أوجاعك الصغيرة. تصبح الذكريات أثقل من الحقيبة، ويصير الحنين حالة مزمنة. الوطن هنا لا يُفقد جغرافيًا، بل يُفقد نفسيًا.


وحين تتقاطع الغربتان، لا يكون لديك مكان تذهب إليه لتستريح. المكان الجديد لا يشعر بك، والوطن القديم لا يحتويك كما كنت. تصبحين امرأة تعيش بلا أرض داخلية. حتى اللغة تتعب، حتى الضحكة لا تخرج كاملة، وحتى الدعاء يكون ممزوجًا بالبكاء. هذه الغربة ليست سفرًا، إنها انكسار في الانتماء.


وتكون أقسى على المرأة لأنها لا تسكن الأمكنة فقط، بل تسكن العلاقات. حين تُنتزع من أهلها ومن شبكتها العاطفية تفقد جزءًا من تعريفها لنفسها. تبدو قوية من الخارج، هشة في الداخل. تنجح وتعمل وتصمد، لكنها في الليل تشتاق إلى صوتٍ يعرف اسمها بلا شرح.


ولا يكون النجاة بالعودة فقط، ولا بالبقاء فقط، بل ببناء وطنٍ داخلي لا يهجرنا. مكان في القلب لا ينهار، نسمح فيه لأنفسنا أن نحزن دون خجل، وأن نشتاق دون ضعف، وأن نكون كما نحن بلا تبرير.


الغربة المزدوجة ليست في جواز السفر، بل في القلب. وأسوأ ما فيها أن لا أحد يراها. لكن من عاشها يعرف أن أقسى مسافة في الحياة هي المسافة بينك وبين المكان الذي كنتِ فيه إنسانة كاملة.




الأربعاء، 7 يناير 2026

الآحلام







حين عاد الحلم بعد أن أغلقتُ الباب


كانت امرأة تشبه البيوت التي مرّت بها العواصف.

كل شيء فيها واقف.

لكن شيئًا ما في الداخل لم يعد كما كان.

سنوات طويلة.

كانت تحمل حلمها كما يحمل المرء مصباحًا في ليل كثيف.

كلما أرهقها الطريق.

قالت: “ما دام الضوء هنا، سأكمل.

لكن الضوء تعب.

لم ينطفئ فجأة.

بل صار أضعف…

حتى صارت ترى الظلال أكثر من الطريق.

كانت تحلم بصمت.

تخفي حلمها عن الناس

كما تُخفى الأشياء الثمينة خوفًا من الكسر.

لكن الحلم، رغم حرصها.

انكسر ببطء.

كل تأجيل كان شرخًا.

كل خيبة كانت صوتًا في الداخل يقول:

“إلى متى؟

وفي ليلة لم تشبه غيرها.

جلست وحدها.

لا لتدعو،

ولا لتتمنى.

بل لتعترف.

قالت:

“أنا لم أعد أؤمن بالأحلام.”

ولم تشعر بالذنب.

شعرت براحة مخيفة.

منذ ذلك اليوم.

تغيّر كل شيء.

صارت تعيش بلا تخيّل.

بلا صور للمستقبل.

بلا حوار داخلي عن “ماذا لو”.

كانت تمشي في أيامها

كما يمشي من فقد شيئًا

ولا يريد أن يتذكّر شكله.

ضحكت.

عملت.

التقت بالناس.

لكن قلبها كان قد

تقاعد من الانتظار.

ثم…

بعد زمن لا يُقاس بالأيام.

حدث ما لم تكن مستعدة له.

وصلها خبر صغير

هادئ

بلا موسيقى درامية

بلا علامات في السماء

لكن ذلك الخبر

كان يحمل في داخله

الحلم الذي دفنته

توقفت أنفاسها.

لم تصدّق.

أعادت القراءة.

ثم مرة أخرى.

كان الحلم هناك.

حيًّا.

حقيقيًا.

متأخرًا…

لكن حاضرًا.

لم تفرح كما توقعت يومًا.

لم تقفز.

لم تصرخ.

جلست.

وبكت.

ليس لأن الحلم تحقق

بل لأن المرأة التي حلمت به

انتظرت طويلًا

حتى تغيّرت.

كانت فرحتها ممزوجة بحزن عميق:

حزن على تلك النسخة القديمة منها

التي كانت تصدّق بلا خوف.

لكن شيئًا آخر وُلد في داخلها:

سلام.

فهمت أخيرًا أن الحياة

لا تسخر من الأحلام

بل تختبر قدرتنا

على البقاء بعد خيبتها.

وقفت أمام النافذة في تلك الليلة

لم تطلب شيئًا من السماء.

قالت فقط:

“كنتِ قاسية…

لكنني ما زلت هنا.”

والحلم،

الذي عاد بعد أن أغلقت بابه

لم يكن مكافأة…

بل اعترافًا متأخرًا

بقوتها.

د. صباح الجهني 

الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

نهاية عام لا يشبه ما قبله ✦





كان هذا العام طويلًا بما يكفي ليختبر صبري.

ويُظهر لي كل أبواب الظنّ التي طرقها الحزن في قلبي.

سقطتُ فيه مرات، خذلني البعض، تغيّر البعض.

وانفضّت أشياء كنت أظنها ثابتة مثل الجبال .

ظننت أحيانًا أنّ الانكسار قد يحطم ما بقي منّي.

لكنني اكتشفت في منتصف الطريق

أن الداخل أقوى من كل ما حاول الخارج أن يهدمه.

تعلّمت أن اليأس ليس بكاءً عاليًا.

بل ذلك الفراغ الذي يسكن الروح مثل غرفة بلا نافذة…

وأن الخذلان ليس سهمًا من عدو..

بل خطوة هادئة من أقرب قلب ظننتُ أنه سيبقى.

عرفت معنى أن يمرّ العام على صدري مثل حجرٍ ثقيل.

لكنني عرفت أيضًا كيف أتنفس تحته

حتى لا أموت داخله.

لم تعد الأيام القاسية تخيفني.

لقد مررت بما يكفي لأعرف أن الظلام مرحلة وليس نهاية.

وأن الغرق لا يعني الموت دائمًا…

أحيانًا يعني أننا نتعلّم كيف نسبح من جديد.

اليوم، وأنا عند حافة آخر يوم من السنة.

لا أشعر أنني أودّع عامًا واحدًا.

بل أدفن جروحًا كثيرة كنت أحملها بصمت.

أدفن الكلمات التي لم تُقال.

والأبواب التي طرقتها ولم تُفتح.

والأمان الذي ظننت أنه بيت… ثم اكتشفت أنه جدار.

أترك خلفي خوفًا قديمًا.

وتردّدًا كان يربطني إلى مكانٍ لا يشبهني.

وأُسلّم للأيام القادمة نفسي خفيفة،

كمن قرر أخيرًا أن لا يحمل على ظهره ماضيًا.

لا يساعده على العبور.

أما العام الجديد، فهو ليس وعدًا بالفرح.

ولا ورقة بيضاء بلا أثر.

هو امتداد روحي… لكن بنسخة أصلب.

أهدى، أعمق.

امرأة تعرّفت على نفسها في لحظات الانكسار.

ولم تعد تخشى أن تبدأ من أول السطر.

سأدخل عامي القادم وأنا أكثر وعيًا بمن يستحق البقاء.

أكثر لطفًا مع نفسي.

وأكثر وفاءً لقلبي الذي نجا كثيرًا ولم يطلب شيئًا.

سأحمل أمنياتي بلا استعجال.

كزهرة تنمو ببطء لأنها تعرف أن العجلة تقتل الجمال.

لن أطالب العام القادم بأن يعوّضني،

بل سأطالب نفسي أن أعيش بكامل ما بقي من الضوء في داخلي.

أن أفتح النوافذ مهما اشتدّ الشتاء.

أن أؤمن بأن الله لا يخذل قلبًا صبر كثيرًا.

وأن الصعود يبدأ دائمًا من أبعد نقطة في السقوط.

هذا العام لن ينتهي…

أنا التي ستنتهي من الوجع.

وتبدأ من الحياة.

يسعدني أنه لامسكِ.

تشبه بداية الصفحة لا نهايتها 

خاتمة تحمل الضوء بوضوح أكبر.

…ولهذا، لن أخرج من هذا العام كما دخلته.

سأغادره بطبقة من الحكمة.

وبقلبٍ تعلم كيف يرمّم نفسه دون أن يبحث عن يدٍ تُنقذه.

فالوجع الذي مرّ لم يأتِ ليمكث.

بل جاء ليُضيء الطريق ويُظهر ما كنت أستحقّه دائمًا ولم أعرفه.

أما العام الجديد.

فأستقبله كنافذة مفتوحة على صباحٍ ناعم.

أضع قدمي فيه وأنا أعرف أن الخير ليس وعدًا مؤجلًا.

بل شيء يبدأ من داخلي كلما آمنتُ به.

سأدخل الأيام القادمة بابتسامة لا تحدّها الندوب.

بطموح يمشي بثبات.

وبحلمٍ يكبر بهدوء كزرعٍ يعرف أن المطر سيأتي ولو تأخر.

لن أرتجي الأعوام أن تهديني الفرح،

سأصنعه بيدي.

ولن أطلب أن تتغير الدنيا من أجلي،

سأتغير أنا بما يكفي لأخلق لنفسي مكانًا في الضوء.

فالذي نجا من العتمة لا يخاف الطريق.

والتي عبرت الألم تستطيع الآن أن تُزهر.

أؤمن أن القادم أجمل 

لأنه يحملني لا كما كنت.

بل كما أصبحت.


د.صباح الجهني ♥️

ما تبقى منا

 لا شيء يعود كما كان ولا أحد يخرج من الخذلان كما دخل كأن القلوب بعد كل صدمة تعيد تشكيل نفسها بصمت وتخفي شقوقها خلف ملامح تبدو عادية الرحمة ل...