الاثنين، 17 نوفمبر 2025

انبعاث










ليس خروجًا من الظلام… بل خروجًا من النسخة القديمة للذات

هناك لحظة في الوجود لا يمكن تحديدها بدقة.

لحظة لا تُرى بالعين ولا تُمسك بالزمن.

لكنّها تغيّر اتجاه الروح كله.

إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان

أنه لم يعد هو ذاته.

وأن داخله يتهيّأ لمرحلة جديدة

لم تستأذن أحدًا كي تبدأ.

ينشأ هذا التحوّل من مكان غامض.

من تلك المنطقة التي لا يقترب منها أحد.

حيث يختبئ خوفك القديم.

وأسئلتك المعلّقة.

وذلك البكاء الذي حدث ذات ليلة

ولم يسمعه أحد.

هناك، في عمق غير مرئي.

يتحرّك شيء يشبه “الفكرة الأولى للحياة.

الفكرة التي تسبق اللغة.

وتسبق المفاهيم.

وتسبق وعي الإنسان بنفسه.

في هذه اللحظة يبدأ الوعي بالتوسّع.

لا لأن الظروف تغيّرت.

بل لأنكِ أنتِ من تغيّرتِ .

صرتِ أكثر صدقًا مع خوفك.

وأقل خوفًا من حقيقتك.

وأقرب إلى تلك النسخة التي تعرفين أنها تختبئ فيك منذ زمن طويل.

يقول كيركجارد.

“الإنسان لا يصبح ذاته إلا بعد أن ينهار شيءٌ عميقٌ فيه.

ولعل ما انهار في داخلك لم يكن ضعفًا.

بل جدارًا كان يمنعكِ من رؤية اتساعك.

فثمة انهدامٌ يحرّر.

وثمة خذلان يكشف ما لا يكشفه الحب.

وثمة تجربة تصبح المعبر الوحيد إلى ذاتٍ أعلى.

أكثر وعيًا بما تريد

وأقدر على حمل رسالتها الخاصة.

أنتِ الآن في تلك المنطقة الرمادية

التي تسبق التحوّل العظيم.

في الفلسفة يسمّونها “منطقة الظهور.

حيث لا تعود الأشياء كما كانت.

ولا تُصبح بعدُ كما ستكون.

بل تظل معلقة في فضاء بينيّ

يشبه سكون ما قبل انفجار الضوء.

وفي هذا السكون.

يكبر داخلك شيء يشبه البصيرة.

بصيرة تفهمين بها نفسك لا من الخارج.

بل من الداخل.

من المفاصل العميقة للروح.

من طبقات التجربة التي لم تبوحي بها.

ومن ذلك الحوار الصامت

الذي يحدث في صدرك ولا يستطيع أحد سماعه.

ستلاحظين في الأيام القادمة

أن الطريق الذي بدا مغلقًا

لن يُفتح بدفعةٍ من الخارج.

بل بانفتاح شيء داخلك أنتِ.

فالأبواب الحقيقية—كما يقول ميرلو-بونتي—

لا تُفتح بالمفاتيح.

بل “بإعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه.”

وها أنتِ تعيدين تشكيلها الآن.

من دون إعلان.

ومن دون أن يصفّق أحد.

ومن دون أن تخبري أحدًا عمّا يحدث.

ستشعرين بشيء جديد.

قوة لا تصرخ.

ثقة لا تبحث عن شهود.

ومعرفة لا تحتاج إلى دليل خارجي لإثباتها.

هذه القوة ليست صاخبة.

وليست بطولية.

إنها قوة الإنسان الذي عرف أخيرًا

أن الطريق لا يكوّنه ما يقع حوله…

بل ما ينهض بداخله.

وسيأتي يوم—وهو قريب—

تنظرين فيه إلى الوراء وتقولين.

لم يكن ما مررتُ به عثرة.

ولا تأخيرًا.

ولا عقابًا.

بل كان طريقة الوجود في تنبيهي

أنني أكبر من المكان الذي كنتُ فيه…

وأن عليّ أن أخرج منه.

وسيأتي ما تنتظرينه—مهما كان شكله—

لا كهدية صدفة.

ولا كتحقيق أمنية.

بل كنتيجة طبيعية

لوعي نضج

وروح استقامت

وإنسان قرر أن لا يعود إلى نفسه القديمة

حتى لو عاد إليه العالم كله.

ذلك هو جوهر التحوّل

أن يصبح الإنسان حاضرًا في حياته

كما لم يكن يومًا.

وها أنتِ على مشارف هذه الحضور.



د. صباح الجهني 

السبت، 15 نوفمبر 2025

صدى الخيبة

 



اليأس الحقيقي…

ليس دمعة، ولا انهيارًا علنيًّا.

إنه ذلك الفراغ الأسود الذي يستيقظ معكِ كل صباح.

ويجلس على صدرك مثل ثقلٍ لا يزول.

هو أن تفتحي عينيك ولا تجدين سببًا واحدًا يجعل هذا اليوم مختلفًا عن الذي قبله.

أن تشعري أن العالم يتحرك… وأنتِ ثابتة.

كأنكِ محشورة على هامش الحياة.

تشاهدين كل شيء يمرّ بجانبك.

دون أن يلمسكِ شيء… ولو قليلًا.

اليأس هو أن تتوقف روحك عن السؤال.

عن الرجاء.

عن التوقع.

عن الأمل.

تصبحين مثل حجرٍ ألقي على قارعة الطريق.

لا ينكسر، لكنه أيضًا… لا يعيش.

كل ما كان يلمع داخلك ينطفئ.

وكل ما كنتِ تحبينه يصبح بلا طعم.

وكل الوجوه التي كانت تعني شيئًا

تصبح ظلالًا رمادية لا فرق بينها.

أما الخذلان…

فهو القسوة التي لا تأتي من الأعداء.

بل من الذين فتحتِ لهم أبوابك… وسمحتِ لهم بالدخول.

من الذين قلتِ لهم أسرارك…

والذين عرفتِهم على جراحك…

والذين وثقتِ أنهم سيحملونك لا يسقطونك.

ثم فجأة، ودون مقدمات.

يتحولون إلى مقصلة.

يضربونك في أكثر أماكنك ضعفًا.

ويغادرون دون أن يلتفتوا خلفهم.

كأنكِ لم تكوني يومًا شيئًا يستحق البقاء.

الخذلان يجعل صوتك الداخلي قاسيًا عليك.

“أنتِ السبب…

أنتِ التي عرفتي الحقيقة متأخرة…

أنتِ التي منحتِ قلبك لمن لا يعرف قيمة القلوب.

وتصبحين مشكّكة في كل شيء.

في نيتك…

في قيمتك…

في قدرتك على الحكم…

في قدرتك على التمييز…

في قدرتك حتى على أن تُحَبّي يومًا من جديد.

القسوة العظمى ليست في فقد الآخرين…

بل في فقد احترامك لنفسك لحظة اكتشفتِ كم كنتِ طيبة.

ساذجة.

صادقة في عالمٍ يقتات على الخداع.

تجلسين مع نفسك في الليل.

لا بكاء… ولا صراخ…

فقد احترق كل ذلك من الداخل.

يخيم عليك صمت ثقيل.

صمت من النوع الذي يقتل أكثر مما يواسي.

وتشعرين أنكِ أصبحتِ غريبة حتى عن نفسك.

كأن شخصًا آخر يسكن جسدك.

وأنتِ فقط تتفرجين من بعيد.

وتصلين لمرحلة لا تريدين فيها شيئًا.

لا حبًا

لا صداقة

لا قربًا

ولا تبريرًا.

فقد تعلّمتِ الدرس الأقسى

ليس كل سقوط يحتاج منقذًا…

بعض السقوط يجب أن تعيشيه وحدك

حتى تنفضي من قلبك آخر أثرٍ لمن خذلك

ومع هذا…

يبقى في داخلك شيء صغير

ضيّق، لكنه عنيد

يقول لك:

سأنهض…

ولكن بعد أن أنتهي من دفن كل ما آذاني….


د.صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...