الاثنين، 15 سبتمبر 2025

سأراك لاحقًا، ليس الآن….

 







الهروب هو أن تتحول إلى ظلٍّ خفيف، لا يثقله انتظار ولا يجرحه حضور.


الهروب هو أن تدع العالم يركض، بينما أنت تجلس في مكانك، تراقب الغبار يتطاير، وتفكر: لماذا العجلة؟


الهروب هو أن تغلق عينيك لا من تعب، بل من رغبة في رؤية ما وراء الصور.


الهروب هو أن تحرر نفسك من سجن التوقعات، أن تكون بلا دور مكتوب سلفًا.


الهروب هو أن تقول للحياة: “سأراك لاحقًا، ليس الآن.”


الهروب هو أن تُدرك أن العزلة ليست وحشة، بل وطن مؤقت.


الهروب هو أن تسمح للغياب بأن يكون لغة جديدة تتكلمها الأشياء من حولك.


الهروب هو أن تكتشف أن النسيان أحيانًا هدية، وأن التذكر قد يكون عبئًا.


الهروب هو أن تصنع سلامًا مع نفسك بعيدًا عن ضوضاء الآخرين.


الهروب هو أن تمشي داخل روحك كما لو كانت غابة مجهولة، تصغي لحفيف الأفكار كأوراق تسقط على الأرض.


الهروب هو أن تُعيد ترتيب علاقتك بالزمن: أن تفكك الماضي، أن تُبطئ الحاضر، أن تجعل المستقبل بلا إلحاح.


الهروب هو أن تعلن هدنة مع قلبك المنهك.


الهروب هو أن تفهم أنّ الأشياء أثقل مما يجب، وأنك لم تُخلق لتحملها كلها.


الهروب هو أن تذوب في الصمت كما يذوب الملح في الماء، بلا أثر، بلا مقاومة.


الهروب هو أن تفتح نافذة على داخلك، وتكتشف أن الهواء هناك أصفى من أي مكان آخر.


الهروب هو أن تسمح للعدم أن يُربّت على كتفك، ويقول لك: “لستَ مُجبرًا أن تكون كل شيء.”


الهروب هو أن تُدرك أن الحقيقة ليست دائمًا في المواجهة، بل في المسافة التي تتيح لك الرؤية بوضوح.


الهروب هو أن تمنح لنفسك الحق في أن تتأخر، أن تختفي، أن تُعيد تكوينك بعيدًا عن العيون.


الهروب هو أن تكون مسافرًا بلا وجهة، مكتفيًا بأنك غادرت ما كان يخنقك.


الهروب هو أن تعيش كنجمة بعيدة: حاضرة في السماء، لكن الضوء الذي يصل منها لم يعد ينتمي للحظة.


الهروب هو أن تدرك أن الداخل أكبر من الخارج، وأن السكون أوسع من الحركة.


الهروب هو أن تضع كل ما يؤلمك خارج الباب، وتبقى أنت وحدك مع نفسك.


الهروب هو أن تُدرك أن العالم لن يتوقف من دونك، وأنك لستَ مجبرًا أن تكون دائمًا هناك.


الهروب هو أن تمشي في غيابك كما يمشي طفل في حقل واسع، مطمئنًا لأن لا أحد يطالبه بالعودة.


د.صباح الجهني 

الأحد، 14 سبتمبر 2025

معنى الأمان ……!!!!!!


 

أن تكون أمانًا لغيرك…

يعني أن تتحوّل من مجرد إنسان يمرّ في حياتهم.

 إلى جدارٍ يصدّ عنهم انهيارهم.

 إلى ظلٍّ يُسكّن خوفهم.


الأمان ليس كلامًا يُقال، ولا وعودًا تُعلّق.

 بل طمأنينة تُشعّ من حضورك دون جهد.

قد تكون كلمة واحدة منك كافية لتطفئ ارتباك قلب.

 ونظرة صامتة كافية لتهدّئ ضوضاء عقل.

ليس المطلوب أن تحمل أوجاع الآخرين بدلًا عنهم. 

بل أن تمنحهم يقينًا أنّهم قادرون على احتمالها.

لأنك موجود بجوارهم.

فالأمان ليس أن تنقذ إنسانًا من غرقه، بل أن تكون القارب الذي يجلس فيه حتى يعبر بنفسه.


الأمان هو أن يجد فيك الآخر مساحة لا تحتاج إلى أقنعة.

 ولا إلى تبريرات، ولا إلى خوف من الطعن.

هو أن يدرك أن ضعفه بين يديك لا يتحوّل إلى سلاح ضده.

وأنه حين ينكسر لا يُدان، بل يُحتضن.


أن تكون أمانًا…

 يعني أن تكون مرآةً لا تُشوّه صور الآخرين.

 بل تُعيد إليهم ملامحهم الأجمل.

أن تكون صمتًا مريحًا. لا فراغًا خانقًا.

أن تكون ثباتًا، لا صلابة جارحة.


وفي العمق، الأمان ليس شيئًا نمنحه، بل شيئًا نصبحه.

فإذا وجدت نفسك طمأنينةً في حياة أحدهم.

 فقد بلغت شكلًا من أشكال الخلود؛ لأن أثر الأمان أطول عمرًا من كل حضور عابر.


د . صباح الجهني 

الأحد، 7 سبتمبر 2025

الحب الذي يحفظكِ




يا سيدتي،

أعلمي أن قلبكِ نهرٌ رقراق،

وروحكِ سماءٌ واسعة، لا تعرف الانكسار.

الحب لا يُقيد الطيور، ولا يُسكت الأصداء،

ولا يطلب من زهرةٍ أن تنحني لتُرضي الريح.


قد يأتيكِ من يظن أن القسوة رجولة،

ويأتيكِ من يُسمي الإهانة غيرة،

ومن يُخفي قبضته خلف ابتسامة،

قد تُغريكِ الكلمات، فتظنين أن الحب لا يُكتشف إلا بالذل.

لكن الحب الذي يُذل،

ليس حبًا، بل ظلٌ يُخفيه الليل عن الشمس.


الحب الذي يرفعكِ،

هو الذي يُقبّل جبينكِ كما يُقبّل أوراق الورد،

يحرس جناحيكِ كي تطيرين بلا خوف،

ويعلم أن كرامتكِ تاجكِ،

لا يُمسّ إلا لتُرفعين به عاليًا.


المرأة التي تمنح كرامتها باسم الحب،

كمن يزرع وردة في صحراء من الملح،

قد تنبت للحظة، لكنها لا تدوم،

أما الحب الذي يحرس التربة،

فينبت الزهور ويظل العطر خالدًا،

فهذا الحب يستحق أن تُعطى له الروح.


يا سيدتي،

لا تنخدعي بما يُسمّى غيرة أو حرصًا،

ولا تظني أن الانحناء وفاء،

فالوفاء الحقيقي أن تصوني نفسكِ،

أن تظلّي المرأة التي تعرف قيمتها،

المرأة التي لا ينكسر ظهرها أمام أحد،

ولا يُطفأ نورها إلا بإرادتها.


الحب ليس حربًا، ولا ميدانًا تُساق فيه القلوب كالقطع،

الحب شراكة ندّية، نهران يلتقيان،

يجريان جنبًا إلى جنب، بلا قيد، بلا جرح،

الحب الذي يحفظكِ هو الحياة نفسها،

هو الريح التي تدفع شراع قلبكِ،

هو الشمس التي لا تتنازل عن إشراقها،

لكِ لتلمعي، لا لتطفئي.


تذكّري، يا سيدتي،

من يحبكِ بحق، لن يطلب منكِ أن تنحني،

بل سيقف بجانبك، يحمي جناحكِ،

ليكون لكِ مرايا السماء،

لكِ الحرية، لكِ الحياة، لكِ النور.


د . صباح الجهني 

السبت، 6 سبتمبر 2025

ماذا …. لو

 






قالها بهدوء، كمن يُلقي جملةً يعرف تمامًا أنها لن تُنسى.

كان صوته يشبه ملامحه: مطمئنًا، خفيفًا على القلب، لا يرفع سلاحًا،

ولا يحمل حاجة للإقناع.

قالها وهو يرمقها بعينٍ تشبه الغيم قبل المطر…

ساكنة، لكنها ثقيلة بالوعد.

تلك النظرة لم تكن رومانسية، ولا ملتهبة 

بل كانت شيئًا آخر… شيء يشبه البيت.


هي لم تكن تنتظر أحدًا.

ولم تكن في لحظة انكسار أو ضعف حين التقاها.

كانت واقفة بثبات امرأةٍ اكتفت من كل شيء، حتى من الحلم.

مشغولة بترميم ذاتها، بحراسة صلابتها،

بممارسة الحياة كما يمارسها الناجون 

بهدوءٍ مشوب بالحذر، وبقلبٍ لا يفيض إلا على نفسه.


منذ زمن طويل قرّرت أنها لن تسقط مرة أخرى.

ليس لأنها أقوى. 

بل لأنها تعلمت ثمن السقوط.

تعلمت أن الأرض لا تحتضن.

وأن أغلب الأكتاف لا تُعتمد.

أن الأقرب قد يكون أول من يبتعد،

وأن الطمأنينة، في هذا الزمن، نادرة كنداءٍ صادق.


لكنّه اقترب.

ولم يطلب شيئًا.

لم يفتح بابًا ولا طرق نافذة،

بل حضر… ببساطة حضور الضوء في الظلام.

لا يتوسل أن يُرى،

ولا يفرض نفسه…

يكفيه أن يكون.


كان صوته لا يرفع إيقاعه.

كلماته لا تبحث عن إعجاب.

ونظراته لا تفضح رغبة… بل تهمس بالأمان.

وهي، رغم كل ما أحاطت به نفسها من منطق.

رغم كل “اللاءات” التي تعلّمت تكرارها.

شعرت بشيء ما يتزحزح بداخلها.


شيءٌ يشبه: “وماذا لو؟”


اقترب كما يقترب الأصدقاء القدامى بعد قطيعة طويلة

بحنينٍ لا يُعلن عن نفسه.

وبرغبة في البقاء لا تُشهر سلاحها.

اقترب حتى صارت المسافة بينهما قاب قوسين من الطمأنينة.


كانت تراقبه بصمت،

وفي أعماقها تدور كل الحوارات التي لا تُقال:

“هل أستطيع أن أستريح؟

هل يمكنني هذه المرة أن أسمح لقلبي أن يميل دون أن يُكسر؟

هل أُجرب… أم ألوذ بالعقل؟”


لكن العقل خذلها هذه المرة.

خذلها لأنّه لم يجد تفسيرًا لذلك الشعور الذي ينمو بصمت،

كالنبتة في التربة القديمة.

نبتة لم تُسقَ منذ أعوام، لكنها الآن تميل نحو الضوء.


وفي مساء بطيء،

مساء لا يشبه المساءات التي اعتادتها،

حين كانت وحدتها صاخبة والمكان ضيقًا رغم اتساعه،

نظرت إليه طويلاً،

وكأنها تفتّش عن الدليل الأخير…

العلامة التي تقول: “نعم، هذا هو.”

وكانت هناك… في عينيه،

تلك الجملة التي لا تُقال:

“أنا هنا… لا لأُغيّرك، بل لأراك.”


سقطت.

لكنها لم تسقط كما يسقط الضعفاء.

سقطت كما يسقط الغيم حين يُثقل عليه الماء 

برحمة، وبرغبة في الانسكاب.

لم تكن انحناءة هزيمة، بل استسلام واثق.

استسلام امرأة تعبت من الركض

فقررت أن تجلس، أن تتنفس

أن تسمح لأحدهم أن يحمل عنها الحِمل قليلاً.

ابتسامة هادئة، بعيدة عن لهفة المراهقة

قريبة من نضج الخائفين الذين وجدوا أخيرًا من يحتملهم.

ابتسامة من فهمت الدرس الذي يأتي متأخرًا

أن السقوط ليس ضعفًا إذا كان في حضرة من “يسوى”.


بعض الرجال لا يحتاجون إلى تقديم أنفسهم.

يكفي أن يكونوا… في حضورهم الطمأنينة،

وفي كلامهم السند،

وفي قلوبهم المساحة التي تسمح لك أن تكون،

كما أنت… دون تبرير، دون أداء، دون دفاع.


في نهاية المشهد،

حين عاد كل شيء إلى سكونه

لم تكن هناك موسيقى درامية

ولا إعلان حب.

كان هناك فقط… راحة.

شيء لم تعرفه منذ زمن،

شيء لا يقال، بل يُعاش.


وهي، التي كانت تظن أنها لا تسقط،

اكتشفت أن السقوط، أحيانًا،

هو أعظم وقوف.




د. صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...