الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

ثنائية لا تهدأ





حين يطرق الفرح بابي

أتهيأ له كما تتزين العروس لعريسها،

أرتب خصلات روحي 

وأشعل قناديل الأمل في نوافذ قلبي أهيئ المائدة لضيفٍ طال انتظاره،وأجلس أراقب خطواته القادمة من بعيد.



لكن…



ما إن يمد الفرح يده ليعانقني،حتى يندس الحزن خلفه بخفة لصةٍ ماهرة

يدخل بلا استئذان

ويجلس في صدر الدار

كأنه صاحب المكان لا غريبٌ طارئ.


أراهما يتبادلان النظرات أمامي

كعاشقين لا يعرفان الفراق

يتشاجران، يتعانقان

ثم يتآمران على قلبي المسكين

فينــ هشانه معًا بلا رحمة

حتى أظل متعبة

لا أنا للفرح بكامل نصيبي

ولا أنا للحزن وحدي بكامل ألمي.


كأنني أرضٌ تتقاسمها رياح متعاكسة .

لا تتركان سنبلة تنمو بسلام

ولا زهرة تتفتح بطمأنينة.


أحيانًا أقاوم


أغلق الأبواب في وجه الحزن

وأشدّ على يد الفرح كي لا يهرب

لكن الحزن بارع في الاختباء


يسكن الحزن في تفاصيل صغيرة،لا يحتاج إلى أبوابٍ ولا نوافذ،

يتسلل من ثغرات دقيقة لا يراها سواي.


في ذكرى عابرة، ربما صورة قديمة التقطتها يد مرتجفة،أو رائحة عطرٍ هجرني صاحبه منذ زمن،أو مقعد فارغ على الطاولة يذكّرني

بأن أحدهم كان هنا… ولم يعد.


وفي كلمةٍ جارحة،عابرة كالسهم،

قيلت في لحظة غضب، لكنها بقيت مغروسة في صدري كخنجر،كلما حاولت أن أنساها

أعادها الصدى بوجهٍ أشد قسوة.


وفي غيابٍ لم أستطع مداواته، غيابٌ يطاردني كظلٍّ لا يفارقني،أفتش في الوجوه عن ملامحه، وفي الأصوات عن نبرته، أمد يدي في الفراغ لعلّي ألمسه،

لكنني لا أجد سوى خواءٍ باردٍ

يزيد اتساع فجوتي الداخلية.


الحزن لا يحتاج إلى أحداث عظيمة،

يكفيه تفصيلة صغيرة، لينهض من سباته ويذكّرني أنه سيّد مقيم، وأن الفرح عابرٌ مهما طال


ومع ذلك…


أظل أستقبل الفرح كلما جاء

مهما كان مجيئه قصيرًا

أفتح له نوافذي

أتركه يلمس وجهي

وأتمسك ببقاياه كما يتمسك الغريق بقشة نجاة.


ربما، في يومٍ ما

يتعلم الفرح كيف يغلب حزني

ويطرد ظله من صدري

ويجلس معي وحيدًا…

ليعلّمني أخيرًا

كيف يكون العيش بلا وجع .


د.صباح الجهني 

الاثنين، 29 سبتمبر 2025

مرآه مقلوبه







 جلسنا متقابلين، والهواء بيننا مثقَل بما لم يُقل بعد.

 كنتُ أبحث عن كلمة تصف ما يختلج بداخلي، شيء حارق.

شعور لا أستطيع ترويضه. 

قلتُ له فجأة، كأن لساني سبق قلبي:

– “أتعلم؟ هناك كلمات لا تصفك أنت، بل تصفني أنا… ومع ذلك ألصقها بك.”

ابتسم بخفة، ثم مال بجسده للأمام وقال:

– “تريدين أن تقولي إن ما أسمعه منك ليس عني، بل عنك أنتِ؟

وصلتني الكلمة كرصاصة صغيرة لا تُرى، لكنها تصدح داخل الصدر بطبلٍ عالٍ. 

قالها  كأنما يلقيها من نافذةٍ بعيدة، لا يتوقع أن تصل إلى داخل عُمقٍ نقيم فيه حياتنا. 

لم أكن فقط مجرّحة من المعنى؛ 

بل أُهانت لأن لفظه اختزلني في صورةٍ قبيحة لا أعرفها.

حين سمعتُها، بدا لي أن المرآة قد انقلبت فجأة أمامي. 

لم تعد تعكس وجهي كما أراه، بل أطبقت عليّ صورةٌ مشوّهة أُرادت لي بها. 

الكلمة التي أطلقها لم تلمس سطحًا فقط؛ دخلت إلى الداخل

وبصمتٍ جعلتني أشكّ في ذاتي. كانت قسوتها عليّ أشد من وقعها عليه، لأن من يُلقيها لا يرى جرحك فعلاً 

هو يرى بزوغ ظله ويقذفه، وذاك الظلّ يلتصق بك كما لو أنكِ اخترتِه.

لم يكن الألم الذي شعرت به غيرة أو مجرد إحراج

كان ذلًا عميقًا. ذل أن تُدانِين بلا محاكمة

أن تُحبَط قدرتك على الدفاع لأن الصدمة أكبر من اللغة. 

الكلمة لم تجرح سُمعتك فحسب 

بل حفرت داخل زواياك المحمية، وأجبرتك على إعادة فحص كل لحظةٍ منكِ

هل أنا هكذا؟ 

هل رآني الناس كما رآني هو؟

ثم جاء الإدراك البارد

ربما لم تكن الكلمة موجهة إليّ كحقيقة

بل كانت مرآته المقلوبة، انعكاسًا لما لا يريد أن يراه في نفسه. او في أهله .

هذا لا يخفف عني الألم، لكنه يضيء جانبًا مؤلمًا أن تكوني مرآةً يعيش الآخر من خلالها، دون أن تطلبي ذلك.

بعد الصمت، بقيتُ مع حطام المرآة. 

كل قطاعة كلمة تتلألأ بخجل وكأنها تهمس

هذه ليست صورتك. لكن استعادة الصورة الحقيقية تحتاج وقتًا

تحتاج أن تقطعي الشريط الذي ربطك بصورةٍ لم تختاريها. 

وهو وقتٌ ثقيل، لكني بدأت فيه أُعيد ترتيب مرآتي بنفسي ببطئ

قطعة بعد قطعة، حتى أتذكّر أن الكلمة قد غُرِزت فيّ من الخارج — وأنا من ستخرج منها أقوى، أو على الأقل أصدق مع ذاتي.




د. صباح الجهني 

الأحد، 21 سبتمبر 2025

حين يصبح الخذلان معلمً

 







حين يصبح الخذلان معلمً


في قرية بعيدة، كانت هناك امرأة تُشعل قناديل صغيرة كل مساء، وتضعها على عتبات البيوت. لم تكن تريد شيئًا سوى أن يظل الدرب مضاءً للجميع، أن يجدوا في ليلهم الطويل بصيص أمان. كانت تذهب من بيت إلى آخر، يديها ممتلئتان بالزيت والنور، قلبها يفيض بالنية الطيبة.


مرت الأيام، وكبر في داخلها يقين بأن القناديل ستجعلهم يشعرون بها، بأنهم في ليلةٍ ما سيشعلون قنديلًا من أجلها. لكنها في مساء بارد، بينما كانت تنحني لتضيء آخر فتيل، رفعت رأسها فلم تجد أحدًا. لم يكن هناك وجهٌ يبتسم، ولا يدٌ تمتد لتشاركها، ولا كلمة تَقول “شكراً”. فقط صمت القرية يحدّق فيها، صمت يشبه حجارة تُثقل صدرها.


تساءلت: أيكون النور الذي أهديته لهم قد جعلني غير مرئية؟ أيكون حضوري الدائم هو ما جعلهم يظنون أن القناديل تُشعل نفسها؟ كان الخذلان أبطأ من أن يُدرك في لحظته، لكنه أعمق من أن يُنسى.


في تلك الليلة، شعرت المرأة أنها وحيدة، كأنها آخر مسافرة في أرضٍ هجرتها الأرواح. جلست قرب قنديلٍ لم يكتمل زيته، تحدّثت معه بصوتٍ خافت: “أنا متعبة… كل هذا الضوء الذي أُعطيه لم يُضيء داخلي. كنت أحتاج أن يضيء أحدهم لي، مرة واحدة فقط.”


القنديل ظل يشتعل بهدوء، كأنه يُصغي لها. وفي لحظة غريبة، أدركت أن النور ليس من الزيت وحده، بل من قلبها الذي يُصرّ أن يظل حيًّا رغم كل ما أطفأه الآخرون.


نهضت من جديد، لكن هذه المرة حملت قنديلًا صغيرًا مختلفًا، خبأته قرب صدرها، نورٌ لا يراه أحد سواها. قالت لنفسها: “لن أُطفئ القناديل عنهم، لكنني لن أنسى أن أضيء لي أنا أيضًا. فإن كان حضوري لا يُرى، فغيابي لن يُعاش.”


، ظلت القرية كما هي، قناديلها مضاءة، وليلها أقل قسوة. لكن المرأة لم تعد تنتظر أحدًا. صارت تعرف أن أكثر الأمان صدقًا هو ما نصنعه لأنفسنا، وأن الخذلان مهما ثقل، لا يملك القدرة على قتل قلبٍ يعرف كيف يولد من جديد.


ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المرأة تطرق أبواب التوقع، ولم تعد تنتظر من يمد يده ليضيء لها الطريق. عرفت أن الانتظار باب واسع للخذلان، وأن الاعتماد على الآخرين خيط رقيق ينقطع عند أول ريح.


ومنذ ذلك القسم، لم تعد الوحدة تخيفها، ولم يعد الخذلان يجرحها بالطريقة نفسها. لقد تحوّل قلبها من قنديل هش إلى شمس صغيرة، لا تنتظر من يشعلها، بل تشرق كل صباح رغم كل شيء



د. صباح الجهني 

الاثنين، 15 سبتمبر 2025

سأراك لاحقًا، ليس الآن….

 







الهروب هو أن تتحول إلى ظلٍّ خفيف، لا يثقله انتظار ولا يجرحه حضور.


الهروب هو أن تدع العالم يركض، بينما أنت تجلس في مكانك، تراقب الغبار يتطاير، وتفكر: لماذا العجلة؟


الهروب هو أن تغلق عينيك لا من تعب، بل من رغبة في رؤية ما وراء الصور.


الهروب هو أن تحرر نفسك من سجن التوقعات، أن تكون بلا دور مكتوب سلفًا.


الهروب هو أن تقول للحياة: “سأراك لاحقًا، ليس الآن.”


الهروب هو أن تُدرك أن العزلة ليست وحشة، بل وطن مؤقت.


الهروب هو أن تسمح للغياب بأن يكون لغة جديدة تتكلمها الأشياء من حولك.


الهروب هو أن تكتشف أن النسيان أحيانًا هدية، وأن التذكر قد يكون عبئًا.


الهروب هو أن تصنع سلامًا مع نفسك بعيدًا عن ضوضاء الآخرين.


الهروب هو أن تمشي داخل روحك كما لو كانت غابة مجهولة، تصغي لحفيف الأفكار كأوراق تسقط على الأرض.


الهروب هو أن تُعيد ترتيب علاقتك بالزمن: أن تفكك الماضي، أن تُبطئ الحاضر، أن تجعل المستقبل بلا إلحاح.


الهروب هو أن تعلن هدنة مع قلبك المنهك.


الهروب هو أن تفهم أنّ الأشياء أثقل مما يجب، وأنك لم تُخلق لتحملها كلها.


الهروب هو أن تذوب في الصمت كما يذوب الملح في الماء، بلا أثر، بلا مقاومة.


الهروب هو أن تفتح نافذة على داخلك، وتكتشف أن الهواء هناك أصفى من أي مكان آخر.


الهروب هو أن تسمح للعدم أن يُربّت على كتفك، ويقول لك: “لستَ مُجبرًا أن تكون كل شيء.”


الهروب هو أن تُدرك أن الحقيقة ليست دائمًا في المواجهة، بل في المسافة التي تتيح لك الرؤية بوضوح.


الهروب هو أن تمنح لنفسك الحق في أن تتأخر، أن تختفي، أن تُعيد تكوينك بعيدًا عن العيون.


الهروب هو أن تكون مسافرًا بلا وجهة، مكتفيًا بأنك غادرت ما كان يخنقك.


الهروب هو أن تعيش كنجمة بعيدة: حاضرة في السماء، لكن الضوء الذي يصل منها لم يعد ينتمي للحظة.


الهروب هو أن تدرك أن الداخل أكبر من الخارج، وأن السكون أوسع من الحركة.


الهروب هو أن تضع كل ما يؤلمك خارج الباب، وتبقى أنت وحدك مع نفسك.


الهروب هو أن تُدرك أن العالم لن يتوقف من دونك، وأنك لستَ مجبرًا أن تكون دائمًا هناك.


الهروب هو أن تمشي في غيابك كما يمشي طفل في حقل واسع، مطمئنًا لأن لا أحد يطالبه بالعودة.


د.صباح الجهني 

الأحد، 14 سبتمبر 2025

معنى الأمان ……!!!!!!


 

أن تكون أمانًا لغيرك…

يعني أن تتحوّل من مجرد إنسان يمرّ في حياتهم.

 إلى جدارٍ يصدّ عنهم انهيارهم.

 إلى ظلٍّ يُسكّن خوفهم.


الأمان ليس كلامًا يُقال، ولا وعودًا تُعلّق.

 بل طمأنينة تُشعّ من حضورك دون جهد.

قد تكون كلمة واحدة منك كافية لتطفئ ارتباك قلب.

 ونظرة صامتة كافية لتهدّئ ضوضاء عقل.

ليس المطلوب أن تحمل أوجاع الآخرين بدلًا عنهم. 

بل أن تمنحهم يقينًا أنّهم قادرون على احتمالها.

لأنك موجود بجوارهم.

فالأمان ليس أن تنقذ إنسانًا من غرقه، بل أن تكون القارب الذي يجلس فيه حتى يعبر بنفسه.


الأمان هو أن يجد فيك الآخر مساحة لا تحتاج إلى أقنعة.

 ولا إلى تبريرات، ولا إلى خوف من الطعن.

هو أن يدرك أن ضعفه بين يديك لا يتحوّل إلى سلاح ضده.

وأنه حين ينكسر لا يُدان، بل يُحتضن.


أن تكون أمانًا…

 يعني أن تكون مرآةً لا تُشوّه صور الآخرين.

 بل تُعيد إليهم ملامحهم الأجمل.

أن تكون صمتًا مريحًا. لا فراغًا خانقًا.

أن تكون ثباتًا، لا صلابة جارحة.


وفي العمق، الأمان ليس شيئًا نمنحه، بل شيئًا نصبحه.

فإذا وجدت نفسك طمأنينةً في حياة أحدهم.

 فقد بلغت شكلًا من أشكال الخلود؛ لأن أثر الأمان أطول عمرًا من كل حضور عابر.


د . صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...