الاثنين، 10 نوفمبر 2025

الظلّ خلف الضوء




ليس كلُّ ضوءٍ يولَد من فجرٍ رقيقٍ مطمئن.

فهناك أنوارٌ وُلدت من رحم الإنهاك.

من ليالٍ أكلها التفكير.

ومن قلبٍ ظنّ أن الطريق انتهى. 

ثم اكتشف أنه للتكوين لا للتيه.

نحن لا نخرج من العتمة فجأة.

بل نتعلّم السير فيها .

نتلمّس الحيطان بأصابع القلب .

نرتبك، نسقط .

ثم نكتشف أن العتمة لم تكن لتُطفئنا .

بل لتعلّمنا لغة الضوء حين يأتي.

الظلّ الذي كنا نكرهه…

كان المعلّم الأول للتماسك.

فيه تدرّبنا على الصبر.

وتعلّمنا أن الألم ليس عدوًّا.

بل صديقٌ صادقٌ يخبرنا أن فينا شيئًا حيًّا ما زال يقاوم.

كل تعبٍ كان بذرة.

وكل تأخّرٍ كان توقيتًا رحيمًا.

وكل ما ظننّاه انكسارًا.

كان في الحقيقة انحناءةَ حكمةٍ أمام امتحان الحياة.

حين يجيء الضوء بعد كل ذلك.

لا يبهرك بسطوعه.

بل يدهشك بلطفه.

لأنه يأتي بلا صخب، بلا جمهور، بلا تصفيق.

يأتي كطمأنينةٍ داخلك.

كهمسٍ يقول: لقد وصلتِ، فاهدئي.

الضوء الحقيقي لا يُنكر الظلّ.

بل يحتضنه.

لأنه يعرف أنه لولاه ما كان ليولد.

فالعتمة هي التي تصنع ملامح النور وتمنحه معناه.

الذين خرجوا من الظلام لا يعودون كما كانوا.

تتبدّل فيهم الأشياء بلا إعلانٍ ولا ضجيج.

كأنهم أجرَوا اتفاقًا سرّيًا مع الحياة.

أن يعيشوا بهدوءٍ بعد أن أنهكهم الصراع.

وجوههم تصفو، لا لأن الدنيا صارت أرحم.

بل لأنهم تعلّموا كيف لا يحملونها فوق ملامحهم.

تراهم يبتسمون دون مناسبة.

ابتسامة صغيرة كوميضِ نجمٍ يعرف متى يختفي ومتى يُطلّ.

ذلك لأنهم أدركوا أن الفرح ليس حدثًا خارجيًا.

بل حالةُ رضا تنبت في القلب.

حين يتصالح الإنسان مع قدره.

قلوبهم أعمق.

لأنهم ذاقوا الغياب بكل أنواعه.

غياب الناس، وغياب الطمأنينة، وغياب الإجابات.

فصاروا يعرفون قيمة الحضور حين يأتي.

ويعرفون أن السكينة لا تُشترى.

بل تُزرع في لحظة انكسارٍ صادقٍ مع الله.

لقد علّمهم الظلام أن النور لا يأتي من الخارج.

بل من شعلةٍ صغيرةٍ أشعلها الإيمان في داخلهم.

تلك الشعلة هي التي أبقتهم واقفين.

حين ظنّ الجميع أنهم سيسقطون.

ولذلك حين يعودون إلى الضوء، لا يتفاخرون.

ولا يروون قصصهم بفخر المنتصر.

بل بهدوءِ العارفين الذين لمسوا يد الله في الخفاء.

يعلمون أن اللطف الإلهي لا يُرى بالعين.

بل يُحَسّ في المرات التي ننجو فيها.

من دون أن نفهم كيف.

أولئك لا يعودون كما كانوا.

لأنهم لم يعودوا يبحثون عن الإجابات في الخارج.

بل وجدوا الله في أعماقهم.

حين قال لهم القدر: «امشوا وحدكم»…

فاكتشفوا أن وحدتهم لم تكن إلا ممرًّا إليه.



﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾


✦ د. صبــاح الجهــنـي  ✦

الكرامة المُهمَّشة






الكرامة المُهمَّشة 


الكرامة لا تموت بضربةٍ واحدة.

ولا تُنتزع في مشهدٍ درامي واضح يشهد عليه الجميع.

الكرامة تُهمَّش ببطء… 

في الزوايا الصغيرة، في التفاصيل العابرة، في الأماكن التي لا يلتفت إليها أحد.

تبدأ الكرامة بالتشقق حين نبدأ بتصغير أنفسنا من أجل أن لا نخسر الآخر.

حين نعتذر لأننا خائفون من فقدان علاقة أو فرصة أو قبول اجتماعي.

حين نقول “لا بأس” ونحن نعلم أن كل شيء في الداخل ليس بخير.

حين نبتسم كي تخفّ حدة الانكسار،.

ونساير كي لا نخسر السلام المؤقت.

ونبرر كي لا نبدو قساة.

الكرامة تُهمَّش .

حين نقيس قيمتنا بعيون الناس، لا بوعي الداخل…

وحين يصبح رأي الآخرين أكثر سلطة من صورتنا الحقيقية أمام أنفسنا.

لا أحد يسرق الكرامة منّا بالقوة… 

نحن نُسلّمها أحيانًا 

ونحن نحسب أننا نتصرف بحكمة.

أو نتنازل لأننا نخشى الوحدة.

أو نتسامح باسم التسامي الروحي.

بينما الحقيقة أننا كنّا نهرب من مواجهة الحقيقة القاسية.

أننا لم نعد نعرف كيف نضع حدودًا.

الكرامة 

ليست صوتًا عاليًا ولا ردًا انتقاميًا…

الكرامة

 هي ذاك الخط اللامرئي الذي يفصل بين “أنا أقدّر نفسي” و “أنا أتنازل لأستمر بأي ثمن”.

الكرامة المُهمَّشة 

لا يراها الآخر كثيرًا… لكنها تترك أثرًا ثقيلًا في الداخل.

تشويش في الرؤية، ضياع في الهوية.

خمول في الوعي، وتعب ليس له اسم.

حتى تبدأ التساؤلات الوجودية بالظهور:

من أنا عندما أسمح لأحد أن يقلل مني؟

ومن أنا حين أقبل أن أعيش في مساحة لا تليق بي؟

وأي قيمة للنجاة إن جاءت بوزن إلغاء ذاتي؟

الاسترداد يبدأ من لحظة صدق واحدة.

لحظة

 نرى فيها ملامح أنفسنا القديمة التي كادت تغيب.

لحظة 

نقرر فيها أن “البقاء” ليس شرطًا إن كان الثمن سقوطنا الداخلي.

نستعيد الكرامة عندما نتوقف عن الدخول في المعارك التي تُصغّرنا…

وعندما نتوقف عن الانتظار في أبواب لا تُفتح لنا…

وعندما نقرر أن نختار أنفسنا أولًا، بلا خوف، بلا تبرير، بلا شعور بالذنب.

هكذا تعود الكرامة من بعدها، ليس بوصفها عودة قوة… 

بل بوصفها عودة وعي.



د.صباح الجهني 

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

أبناء العالم… لا أبناء الجسد

 





أبناء العالم… لا أبناء الجسد


«أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها. بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم، ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكًا لكم.»

ـ جبران خليل جبران، ـ.  1923م.


أبناؤنا أبناء الحياة؛ نرافقهم في البداية، ثم تسرقهم الطرق التي خُلقت لهم.

كبروا من تفاصيلنا الصغيرة، من أصواتنا، من أوامرنا التي كنّا نظنها حكيمة، ومن نصائحنا التي كنّا نعتقد أننا نحمي بها مستقبلهم… بينما كان القدر يُحضّر لهم مستقبلًا لا يشبه تصوراتنا أبدًا.


نحنُ نتخيّل أننا نحميهم من العالم، لكن الحقيقة أن العالم هو الذي يُدرّبهم علينا… وعلى فِراقنا.

منذ اللحظة الأولى التي يفتحون فيها أعينهم، يبدأ الانفصال بالتدرج؛ خطوة صغيرة لا يُلاحظها أحد في البداية، ثم خطوة أخرى، ثم فجوة تتسع، وطرقات تتفرّع، وتاريخ جديد يُكتب بعيدًا عنّا.


نحن نزرع في قلوبهم الأمن… وهم يذهبون ليختبروا الخطر.

نحن نُمسك بيديهم كي لا يسقطوا… وهم يسقطون ليعرفوا أنهم قادرون على الوقوف وحدهم.

نحن ننتظر أن يعودوا إلينا في كل انهيار… لكن الحقيقة أنهم يعودون فقط كي يستعيدوا صمت الطفولة في صدورنا، ثم يمضون مرة أخرى لأن دورنا انتهى في تلك المحطة… ولم ينته في الحياة.


أبناؤنا أبناء الحياة… يأتون عبرنا لا لنا.

لسنا أصحاب قراراتهم الأخيرة، ولا أصحاب وجوههم حين يواجهون اختباراتهم الحقيقية.

نُهيّئهم للحكمة، بينما تُهيّئهم الحياة لليقين المؤلم، وتُعلّمهم أن لا أحد يبقى كاملًا لأحد.


وفي لحظة ما ندرك أن الحياة لم تكن تأخذهم منّا، بل كانت تعيدهم إلى أنفسهم.


وبين كل غياب وغياب… نتعلم نحن درسًا آخر:

أن الأدوار تتقلص، واليد التي أمسكت كثيرًا تتعب، والحضن الذي اتسع يومًا… سيصبح فقط ذكرى أول بيت آمن عرفوه.


ثم يأتي يوم لا طرق فيه مشتركة، ولا قرارات تُستشار.

يصبحون مسافرين في دروب لا نعرفها.

نراهم في صور، في رسائل مقتضبة، في سهرات عابرة، في أخبار تصلنا من بعيد… وكل مرة نصمت لأننا ندرك أن الحياة أخذتهم حيث يجب أن يذهبوا.


وفي آخر الطريق… نصل نحن إلى قناعة لم نكن جاهزين لها:

أن التربية ليست أن نصنع أبناء يشبهوننا، بل أن نصنع أبناء يملكون القدرة على أن يعيشوا بعدنا… دون أن ينهاروا.


ما أجمل أن ندرك ذلك دون حسرة.

وما أصدق أن نقول لأنفسنا ونحن نغلق الباب عليهم في كل سفر: لقد أدّينا رسالتنا.


لكن أقسى اللحظات ليست لحظة السفر ولا لحظة البعد الجسدي…

أقسى اللحظات هي حين يبدأون باتخاذ قراراتهم من خارج رؤيتنا، وحين يختارون دروبًا لم نُردها لهم، وحين يقولون “لا” لأول مرة.


لحظة العصيان الأولى ليست تمردًا عليهم بقدر ما هي إعلان خفي بأن سلطتنا انتهت.

ليست قسوة منهم، بل بداية معرفة لأنفسهم، بداية لغة مستقلة، بداية إدراك أنهم ليسوا امتدادًا لظلنا، بل كيان قائم بذاته.


ونحن نقف هناك… بين الخوف عليهم، والدهشة منهم، والاعتراف بأننا لم نعد نملك الحق الكامل في منعهم من التجربة.


كل “رفض” منهم هو ميلاد نسخة جديدة منهم، وولادة صغير في داخلنا.

كل “قرار مختلف” يتخذونه… يكبرون هم فيه ألف خطوة، وتكبر نحن ألف حكمة.


وفي تلك اللحظات يبدأ التحول الحقيقي فينا نحن.

نتوقف عن فرض الطريق… ونبدأ بالإنصات.

نتوقف عن رسم مستقبل نيابة عنهم… ونبدأ بفهم أن المستقبل ليس خارطة تصنعها الأم، بل أرض يكتشفها الابن.

نصبح أقل صرامة… وأكثر قدرة على التسليم.


فنقول في داخلنا بهدوء يقبل كل شيء:

كبروا… وكبرتُ أنا معهم.


أبناؤنا أبناء الحياة… ونحن أبناء التسليم.


د. صباح الجهنيً

الأحد، 2 نوفمبر 2025

رشيف الروح

 




هناك أوجاع لا تصلح للبوح… ندفنها في مكان  لا أحـــد  يبلغـه غيــر الله.


ليس لأننا نخاف من الحقيقة، بل لأن هناك حقائق إذا خرجت فقدت قدسيتها، وإذا نطقتها الشفاه تلوثت باجتهادات البشر وتفسيراتهم،وتخميناتهم، ومقاييسهم القاصرة.

هناك أوجاع تُولد من طبقات عميقة جدًا من التجربة…

 لا تهدأ بالغناء، ولا بالعناق، ولا بالكلام… بل تهدأ فقط حين تسلّمها الروح إلى الله وتسكنها في حضرته، بلا ترجمة، بلا وسيط، بلا شرح.

الألم أحيانًا لا يُعاش في لحظة واحدة، لكنه يتوزع على العمر كله، يتسرب في طبقات الوعي يكتب في داخلنا حروفًا غير مرئية، ويعيد تشكيل الخريطة السرية للذات.

نحن لا نفقد أنفسنا في الوجع… بل نكتشف صورتنا الحقيقية خلفه.

الوجع ليس خصمًا… الوجع مرآة.

يكشف ما لا نراه ونحن في الضوء

نحن نغرق أولاً، كي نتعلم السباحة لاحقًا.

ننكسر أولاً، كي نفهم معنى الترميم لاحقًا.

ثم يومًا في منتصف الطريق، ومن حيث لا ندري…

نستيقظ وقد أصبحنا مختلفين تمامًا دون أن نتذكر اللحظة التي تغيّرنا فيها.

الله وحده يعرف كيف نتهذّب عبر الألم.

كل تجربة تُحزّ في أعماقنا تشبه جناحًا تشكل من العتمة، كي نستطيع يومًا الطيران من فوق ما كنّا نحسبه نهاية.

فالجرح ليس عجزًا، بل عتبة.

والألم ليس كسرًا، بل بابًا.

والنقص ليس سقوطًا… بل بداية الصعود الحقيقي نحو الذات.

هناك لحظات يصبح فيها الصمت أعلى من كل خطاب

يصبح الحضور الداخلي أقوى من كل حضور خارجي

يصبح الإنسان ناضجًا بما يكفي ليعرف أن الجواب الحقيقي ليس عند الناس، بل عند الله الذي يعلم السر وأخفى

نعم… هناك أوجاع لا تصلح للبوح

لكنها ليست عبئًا… إنها أرشيف الروح، وخريطة مسيرتنا في الظلمة حتى وجدنا الضوء، وشهادة أننا عبرنا الجدار دون أن نصرخ

وهذه الأوجاع التي لا نكشفها لأحد

هي نفسها التي تصنع الحكمة

وتنضج البصيرة

وتعلّم القلب أن يكون أوسع من الألم

وأعمق من الغياب

وأقوى من أن يُهزم من تجربة واحدة

نحن في النهاية… نتعلّم أن نولد من جديد

لا كما كنا، بل كما نصير

وفي يوم ما، حين تنضج أرواحنا بما يكفي

نتأكد أن الله لم يكن يخفي عنا الجواب…

كان يُعدّنا لنستقبله.


د.صباح الجهني 

ميراف

  ميراف لم تكن ميراف تفعل شيئا يستدعي الشرح كانت موجودة فقط وهذا وحده كان كافيا لإرباك المكان لم تدخل المشهد لتثبت شيئا ولم تقف على الأطراف ...